يُعد علم اللسانيات التطبيقية أو كما يُطلق عليه بعلم اللغة التطبيقي من المجالات الفرعية التي استحدثت في هذا العصر، والذي يهتم باستعمال اللغة وخواصها في حل مشاكل انسانية، اجتماعية وغيره من المشاكل المعاصر.

وبسبب حداثة الجانب التطبيقي بالشكل الحالي ظهرت الفجوة بين العرض النظري والتطبيق العملي. فقد يجد في الرسالة مقدمة نظرية عن علم اللغة أو عن نظرية من النظريات اللسانية، ثم إذا انتقل إلى الجانب التطبيقي ظهر الانفصال بين النظرية والتطبيق.

وهذه الفجوة قد ترجع إلى أحد أمور: إما أن النظرية لم تُفهم فهمًا كافيًا، أو أن النظرية نفسها غير واضحة بسبب الترجمة أو غموض المصطلحات، أو أن الباحث لا يحسن نقل النظرية من مستواها المجرد إلى مستوى التطبيق، أو أن النظرية لا تصلح أصلًا للتطبيق في المجال المختار. ومن هنا تأتي أهمية هذه المحاضرة؛ لأنها تؤسس لفهم اللسانيات التطبيقية بوصفها مجالًا يتجه إلى المشكلات الحقيقية، لا مجرد تطبيق آلي للنظريات.

ولأن صغر المجهود العربي في هذا الموطن من العلوم المعاصرة، كان من الواجب نقل هذا التعريف الواسع عن هذا العلم، للقراء. يرجى الاطلاع الى المرجع المأخوذ منه أفكار المقال حيث أخذت من أحدى ندوات الدكتور خالد فهمي رحمه الله، ونقلتها مراجعا وجامعاً ومفرغاً لهذا المحتوى القيم، ليستفاد به نصاً وفهمهاً.

ملاحظة: سأستعمل مصطلح اللسانيات بدلًا من مصطلح علم اللغة كما فعل الدكتور في الندوة، وسنركز عن اللسانيات التطبيقية باعتبارها فرعًا من فروع اللسانيات المعاصرة ولتوحيد المصطلح.

من اللسانيات النظرية إلى اللسانيات التطبيقية

يرجع كثير من الدارسين بداية اللسانيات الحديثة، في التصور الغربي، إلى سنة 1913م، وهي سنة وفاة اللساني السويسري فردينان دي سوسير. وقد عُرف دي سوسير بمحاضراته التي جُمعت ونُسب إليها تأسيس اللسانيات الحديثة، ثم كُشفت لاحقًا بعض مخطوطاته، وأعيد النظر في مشروعه على ضوء هذه النصوص.

غير أن اللسانيات الحديثة لم تنشأ منعزلة عن العلوم الإنسانية الأخرى؛ فقد تأثرت بفكرة مهمة جاءت من علم الاجتماع، وهي فكرة الحقيقة الاجتماعية القاهرة. ومؤداها أن الإنسان لا يتصرف فردًا منعزلًا، بل يتحرك داخل نظام اجتماعي وثقافي يفرض عليه قواعد لا يشعر بها دائمًا، لكنها تضبط سلوكه.

ومن هنا نفهم أن الإنسان لا يتكلم بمجرد امتلاك النظام اللغوي؛ (أي بمجرد معرفة الأصوات والصرف والنحو والمعجم) وإنما يتكلم أيضًا وفق قواعد الملاءمة الاجتماعية. فهو قد يملك في اللغة أكثر من لفظ يُنادي به شخصًا أمامه، لكنه لا يستعمل كل الألفاظ في كل مقام ولا يتعامل معها في ذهنه بشكل عشوائي؛ لأن المجتمع يفرض عليه شروطًا في الأدب، والمخاطبة، والاحترام، والتوقير، والحميمية، والمسافة الاجتماعية.

إذن الكلام الإنساني يقوم على أمرين: التمكين اللغوي: وهو امتلاك نظام اللغة: أصواتها، وصرفها، ونحوها، ومعجمها. والملاءمة الاجتماعية: وهي معرفة ما يصلح أن يقال في سياق اجتماعي معين وما لا يصلح.

ومن اجتماع هذين الأمرين يبدأ النشاط اللساني الحقيقي؛ فليس كل ما تسمح به اللغة من حيث النظام يجوز استعماله من حيث المقام. والحديث عن هذا قد يطول.

نشأة اللسانيات التطبيقية

في منتصف القرن العشرين، وخصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ اتجاه جديد في الجامعات الغربية، من أبرز مراكزه بعض الجامعات الأمريكية، يتساءل: هل يمكن أن يُستثمر المنجز اللساني في حل مشكلات العالم؟

كانت هناك مشكلات ضخمة ذات صلة باللغة: إخفاقات في التعليم، مشكلات في الترجمة، سوء فهم بين الشعوب، اضطراب في التواصل، ضعف في تعليم اللغات، مشكلات في النطق والتخاطب، وحاجة إلى أدوات لغوية ومعرفية جديدة. ومن هنا بدأ التفكير فيما سمي لاحقًا علم اللغة التطبيقي أو اللسانيات التطبيقية.

والعبارة التي تتردد في كثير من أدبيات هذا العلم أن اللسانيات التطبيقية تتقدم إلى مشكلات العالم باستعمال المعرفة اللسانية. فهي لا تبدأ من النظرية من أجل النظرية، بل تبدأ من المشكلة، ثم تبحث في اللغة عما يمكن أن يسهم في حلها.

أما اللسانيات النظرية فوظيفتها الأساسية وصف الظاهرة اللغوية وتفسيرها: كيف يعمل النظام الصوتي؟ كيف يشتغل النظام الصرفي؟ كيف تنتظم الجملة؟ كيف تتولد الدلالة؟ أما اللسانيات التطبيقية فتتجاوز الوصف والتفسير إلى التدخل في الواقع لحل مشكلة أو صناعة أداة أو تطوير أداء.

هل عرف المسلمون صورًا من اللسانيات التطبيقية؟

إذا نظرنا إلى التراث العربي الإسلامي وجدنا صورًا قديمة يمكن أن تُقرأ اليوم بوصفها جذورًا تطبيقية. من ذلك مثلًا جهود العلماء في مواجهة لحن العامة؛ فقد أدركوا أن الخطأ اللغوي قد يؤثر في الفهم، وأن فساد الاستعمال قد يؤدي إلى فساد المعنى، خصوصًا إذا تعلق الأمر بلغة القرآن الكريم والحديث الشريف والعلوم الشرعية.

ومن هنا ظهرت مؤلفات تعالج أخطاء العامة والخاصة، لا لمجرد الترف العلمي، بل لحل مشكلة لغوية واقعية: كيف نحفظ سلامة الفهم حين يشيع الخطأ في الاستعمال؟

لكن هذه الجذور القديمة كانت محدودة، أما اللسانيات التطبيقية المعاصرة فقد استقلت أو شبه استقلت منذ منتصف القرن العشرين كعلم، وصارت مجالًا ضخمًا يتعامل مع مشكلات الإنسان المعاصر على أساس لساني.

المجالات الكبرى للسانيات التطبيقية

يمكن النظر إلى اللسانيات التطبيقية من ثلاث زوايا كبرى:

  1. مشكلات مستعمل اللغة: مثل اكتساب اللغة، تعلم اللغة الثانية، اضطرابات النطق، التخاطب، السلوك اللغوي، التواصل، والتهذيب اللفظي.
  2. مشكلات المجتمع اللغوي: مثل التخطيط اللغوي، السياسات اللغوية، إصلاح الكتابة، صيانة اللغة، صناعة اللغات الاصطناعية، ومواجهة التشويش المفاهيمي.
  3. الصناعات المعرفية المؤسسة على اللغة: مثل المعاجم، الترجمة الآلية، التدقيق الآلي، المدونات الإلكترونية، اللسانيات الحاسوبية، اللسانيات الإحصائية، واللسانيات القضائية.

أولًا: مشكلات مستعمل اللغة

اكتساب اللغة الطبيعية

من أول المجالات التي تتدخل فيها اللسانيات التطبيقية مجال اكتساب اللغة. والمقصود به دراسة الطريقة التي يكتسب بها الإنسان لغته الأولى حتى يصل إلى ما يسمى في التراث العربي السليقة أو الملكة اللغوية.

وقد شاع عند بعض الدارسين تصور خاطئ، وهو أن السليقة أمر بيولوجي محض: يولد الإنسان من أم عربية فيتكلم العربية، أو من أم إنجليزية فيتكلم الإنجليزية. لكن النظر في أحوال البشر يبين خطأ هذا التصور؛ فقد يولد الطفل من أبوين عربيين في بيئة غير عربية، فيتكلم لغة البيئة لا لغة أبويه. وهذا يدل على أن الملكة اللغوية ليست مجرد وراثة بيولوجية، وإنما تقوم على السماع، والحفظ، والاستعمال، والتصحيح الاجتماعي.

فالطفل يسمع النصوص اللغوية من أهل اللغة، ثم يحفظ منها مخزونًا، ثم يسترجع هذا المخزون في مواقف الحياة، ثم يحاكي الأنماط المستقرة في عقله. فإذا أصاب قبلته الجماعة اللغوية، وإذا أخطأ صححته أو استهجنت كلامه. ومع تكرار السماع والاسترجاع والمحاكاة والتصحيح تتكون الملكة اللغوية.

وهذا قريب مما قرره علماء العربية في حديثهم عن السليقة، غير أن اللسانيات التطبيقية المعاصرة جعلت من ذلك مجالًا واسعًا له نظرياته ومؤلفاته ومناهجه.

تعلم اللغة الثانية

إذا كان الطفل يكتسب لغته الأولى طبيعيًا، فإن الإنسان قد يحتاج لاحقًا إلى تعلم لغة ثانية. ومن هنا نشأ فرع مهم داخل اللسانيات التطبيقية هو نظريات تعلم اللغة الثانية.

ومن أهم مبادئ هذا المجال أن تعليم اللغة الثانية ينبغي أن يتم بالتدرج، وأن تعرض الكلمة داخل سياقات متعددة ومواقف مختلفة، لا في صورة مفردات معزولة. فالمتعلم لا يحتاج إلى حفظ اللفظ وحده، بل يحتاج إلى معرفة تركيبه، وحرف الجر الذي يصاحبه، والمقام الذي يستعمل فيه.

ويضرب المحاضر مثالًا بالفعل: «رغب». فنقول: «رغبت في الأمر» إذا أردنا الميل إليه، ونقول: «رغبت عن الأمر» إذا أردنا الانصراف عنه. فليست المسألة حفظ فعل وحرف جر فقط، بل فهم علاقة اللفظ بالسياق والدلالة.

ومن هنا تظهر فائدة الدراسات التقابلية بين اللغات. فقد يستثمر المعلم ما يعرفه الطالب من لغة أجنبية لتقريب قاعدة في العربية. فلو كان الطالب يعرف في الإنجليزية تركيب الإضافة باستعمال حرف مثل of، فيمكن أن يُشرح له تركيب «كتاب محمد» بأنه تركيب إضافة تقابله في الإنجليزية صيغة قريبة مثل: the book of Muhammad. والهدف ليس أن نجعل العربية تابعة للإنجليزية، بل أن نستثمر معرفة سابقة لدى الطالب لحل مشكلة تعليمية.

اللسانيات العيادية وعلاج اضطرابات النطق

من مشكلات مستعمل اللغة أيضًا مشكلات التخاطب والنطق. وهنا يظهر مجال اللسانيات العيادية أو علم اللغة العيادي.

هذا المجال لا يعمل فيه اللساني وحده؛ لأن اضطرابات النطق قد يكون لها جانب عضوي، وجانب نفسي، وجانب لغوي. لذلك لا بد من فريق يجمع اللساني، والطبيب، وأخصائي التخاطب، وعالم النفس العيادي، بحسب طبيعة المشكلة.

فالطبيب ينظر في الأعضاء والجهاز العصبي، وعالم النفس ينظر في الخلفية النفسية والسلوكية، واللساني ينظر في الأصوات، ومخارجها، وأنماط الكلام، وآليات التعبير. ومن اجتماع هذه التخصصات ينشأ العلاج اللغوي أو العيادي.

وقد استقر لهذا الفرع جهاز اصطلاحي ومؤلفات ومعاجم خاصة، مما يدل على أنه لم يعد مجرد ملاحظات متفرقة، بل صار علمًا له أدواته ومصطلحاته.

اللغة والسلوك الإنساني

يرتبط مجال آخر بالتربية والتهذيب، وهو مجال اللغة والسلوك الإنساني. فالتربية ليست مجرد أفكار داخلية، بل تظهر آثارها في السلوك واللغة: كيف يخاطب الطالب أستاذه؟ كيف يرد الابن على أمه؟ كيف يشكر صاحب الفضل؟ كيف يعتذر؟ كيف يطلب؟ كيف يرفض بلطف؟

اللسانيات التطبيقية هنا لا تترك الإنسان يخترع ألفاظ الأدب وحده، بل تبحث في الصيغ المناسبة للمواقف المختلفة، وتبين كيف يعبر السلوك اللغوي عن التزكية والتهذيب.

ويمكن استدعاء من التراث فكرة المُؤدب، وهو من كان يتولى تأديب أبناء الخلفاء وتعليمهم. لم يكن المُؤدب معلم نحو وصرف فحسب، بل كان يعلم الصبيان ما يليق وما لا يليق، وكيف يختارون العبارة الملائمة.

ثانيًا: مشكلات المجتمع اللغوي

اللغات الاصطناعية وذوو الاحتياجات الخاصة

من المشكلات الاجتماعية التي تتدخل فيها اللسانيات التطبيقية مشكلة التواصل لدى الصم والبكم وغيرهم ممن تعوقهم الإعاقة عن التلقي أو الإنتاج اللغوي المعتاد.

فاللغة ليست ترفًا، بل وسيلة الإنسان في طلب حاجاته الحيوية: أن يقول إنه يريد طعامًا، أو شرابًا، أو علاجًا، أو عملًا، أو نجدة. فإذا حُرم الإنسان من وسيلة التعبير، فقد حُرم من حق أساسي من حقوقه الإنسانية.

ومن هنا تتقدم المجتمعات الراقية إلى صناعة لغات أو أنظمة إشارية، وقواميس للإشارات، ومترجمين في المؤسسات العامة، وإشارات مصاحبة للأخبار والخطب والمواد التعليمية. وهذه كلها أعمال تقع داخل نطاق اللسانيات التطبيقية؛ لأنها تصنع وسيلة تواصل لفئة واسعة من الناس.

وقد كان من طموحات بعض اللسانيين صناعة لغة اصطناعية عالمية تمكن البشر من التواصل المشترك، مثل تجربة الإسبرانتو. ورغم أن هذه التجربة لم تحقق الطموح الكامل لأسباب كثيرة، فإنها تكشف عن اتجاه مهم في التفكير اللساني التطبيقي: صناعة اللغة عند الحاجة إليها.

التخطيط اللغوي والسياسات اللغوية

من أهم فروع اللسانيات التطبيقية التخطيط اللغوي أو السياسات اللغوية. وهو مجال ذو شأن حكومي ومؤسسي؛ لأنه يتعلق بقرارات الدولة في حماية اللغة، وتطوير الكتابة، وتوحيد المصطلح، وتعريب العلوم، وصيانة اللسان العام من الفوضى.

والتخطيط اللغوي لا يقتصر على إصدار الشعارات، بل يتدخل في أمور عملية، مثل:

  • إصلاح النظام الكتابي.
  • تبسيط قواعد الكتابة.
  • معالجة مشكلات الهمزة والرسم الإملائي.
  • ضبط استعمال اللغة في المجال العام.
  • وضع سياسات للتعريب.
  • حماية اللغة الوطنية في المؤسسات والإعلانات والتعليم.
  • إنشاء بدائل عربية للمصطلحات الوافدة حين يكون ذلك ممكنًا.

والجدير بالذكر أن كل الأنظمة الكتابية في العالم فيها مشكلات، وليست العربية وحدها. فالإنجليزية والفرنسية وغيرهما تعاني تفاوتًا بين المنطوق والمكتوب، وفيها حروف تُكتب ولا تُنطق أو تُنطق ولا يُتوقع نطقها من الرسم. لكن الأمم الحية لا تكتفي بالشكوى، بل تبحث في إصلاح نظامها الكتابي وتيسيره.

إصلاح الكتابة العربية

العرب والمسلمين عرفوا محاولات في إصلاح الكتابة، وأن الدولة الحديثة في بعض فتراتها طرحت مسابقات ومشروعات لإصلاح الخط العربي ومشكلة الهمزة. والغاية من ذلك ليست العبث بالتراث، بل تقليل الهدر التعليمي والاقتصادي الناتج عن كثرة الأخطاء وصعوبة الضبط.

فكل ورقة تُعاد كتابتها بسبب خطأ، وكل وقت يضيع في التصحيح، وكل التباس يقع بسبب الرسم، له أثر اقتصادي ومعرفي. لذلك تدخل إصلاحات الكتابة في صميم التخطيط اللغوي. مثل كتابة «مائة» بالألف، ورسم بعض الألفاظ، وفصل الحركات عن الحروف في النظام الكتابي العربي، وما ترتب عليه من نظر بعض المتعلمين إلى الحركات باعتبارها شيئًا ثانويًا، مع أنها في العربية جزء أساسي من المعنى والإعراب.

إصلاح المعجم وصيانة الجهاز المفاهيمي

لا تقف السياسات اللغوية عند الخط، بل تمتد إلى المعجم. فالأمة تحتاج إلى معجم يحفظ هويتها ومفاهيمها، ويمنع التداخل الفاسد بين الألفاظ. ولعرض مثالًا من الإسلام في صناعة الجهاز المفاهيمي؛ فقد أخذ الإسلام ألفاظًا عربية قديمة وأعاد بناء دلالتها، مثل: الصلاة، والصيام، والحج، وغيرها. فالصيام في أصل اللغة يدور حول مطلق الامتناع، ثم صار في الاصطلاح الشرعي امتناعًا مخصوصًا في زمن مخصوص عن أشياء مخصوصة. وهذا تحول دلالي صنع مفهومًا جديدًا داخل الجهاز الإسلامي.

وفي المقابل أمات الإسلام بعض الألفاظ أو المفاهيم التي كانت تحمل قداسة جاهلية لا يريدها، مثل بعض ألفاظ الأنعام في الجاهلية. فالإصلاح المعجمي قد يكون بإحياء لفظ، أو تحويل دلالته، أو إماتة مفهوم، أو منع استعمال يفسد وعي الأمة.

ولذلك علينا أن نحذر من التشويش المفاهيمي الناتج عن استعمال الألفاظ في غير مواضعها؛ لأن العبث بالكلمات ليس مسألة لغوية بسيطة، بل قد يؤدي إلى اضطراب أخلاقي ووجداني وعقلي. فحين تُسمى الجريمة حبًا، أو يسمى الانحراف حرية، أو تسمى الرذيلة جمالًا، يختل الجهاز المفاهيمي لدى المجتمع.

ثالثًا: الصناعات المعرفية المؤسسة على اللغة

الترجمة الآلية

من أهم الصناعات المعرفية التي تتصل باللسانيات التطبيقية الترجمة الآلية. فالعالم ينتج معرفة ضخمة بلغات متعددة، والدول مسؤولة عن نقل قدر مناسب من هذه المعرفة إلى لغتها الوطنية حتى لا تتسع الفجوة المعرفية بين الشعوب.

والترجمة البشرية وحدها قد لا تكفي لملاحقة الإنتاج العالمي؛ لذلك ظهرت الحاجة إلى الحاسوب بوصفه أداة تسرع الترجمة الأولية. والمحاضر يؤكد أن الحاسوب لا يحل محل الإنسان في الترجمة، لكنه قد ينجز نسبة أولية من العمل، ثم يأتي المترجم أو المحرر ليصحح ويهذب ويضبط.

فبدلًا من أن تستغرق ترجمة كتاب شهرًا كاملًا، قد تنجز الآلة مسودة أولية في وقت قصير، ثم يعمل الإنسان عليها أيامًا بدل أسابيع. والغاية هنا ليست إلغاء دور المترجم، بل تقليل الزمن وتوسيع القدرة على نقل المعرفة.

التدقيق اللغوي الآلي

يدخل في هذا الباب أيضًا التدقيق اللغوي الآلي، مثل البرامج التي تقترح عليك الكلمة قبل أن تكمل كتابتها، أو تضع خطًا أحمر تحت كلمة لا يعرفها القاموس، أو تعرض عليك بدائل.

هذه الأدوات توفر الوقت، وتقلل الخطأ، وتساعد في إنتاج نصوص أكثر ضبطًا. ومع تطور البرامج صار بإمكان المستخدم أن يضيف كلمات إلى القاموس الداخلي، فيتسع مع الوقت ويصير أكثر ملاءمة لاستعمالاته.

التدقيق الآلي مجال مهم للبحث العربي؛ لأن كثرة الأخطاء في الرسائل العلمية والنصوص المطبوعة ليست دائمًا بسبب الجهل، فقد تكون بسبب انتقال النظر، أو إرهاق العين، أو تشابه الصور الكتابية، أو اعتماد الذاكرة على صورة خاطئة محفوظة منذ الصغر.

صناعة المعاجم

من أكبر الصناعات المعرفية المؤسسة على اللسانيات التطبيقية صناعة المعجم. والمقصود ليس مجرد استعمال المعاجم، بل تعلم كيفية بنائها:

  • كيف نخطط للمعجم؟
  • من هو مستعمله؟
  • ما نوع المادة التي ستجمع؟
  • كيف ترتب المداخل؟
  • ما المعلومات التي توضع تحت كل مدخل؟
  • هل يعتمد الترتيب على الجذر أم على الصورة النهائية للكلمة؟
  • كيف تُحرر الشروح؟
  • هل نضيف أمثلة وصورًا وموضحات بصرية؟
  • هل المعجم ورقي أم إلكتروني؟

من هذا نلاحظ أن المعجم من جهة الإنتاج عمل لغوي، ومن جهة الاستعمال أداة معرفية عامة. لذلك لا بد من تدريب الطلاب على صناعة المعجم، لا على استخراج الظواهر من المعجم فقط.

ونشير إلى أن التراث العربي غني بصناعة المعاجم، وأن بعض المستشرقين واللسانيين المعاصرين شهدوا بازدهار التاريخ المعجمي العربي. ومع ذلك لا تزال دراسة الصناعة المعجمية في الجامعات العربية، وخاصة في بعض البيئات الأزهرية، قليلة قياسًا إلى أهميتها.

المصطلحية ومصادر المصطلح

عند دراسة المصطلحات ينبغي النظر في مصدرها اللساني:

  • هل وُلد المصطلح داخل العربية بالاشتقاق؟
  • هل جاء بالتحول الدلالي؟
  • هل نقل من بيئة علمية أخرى؟
  • هل تُرجم ترجمة دلالية؟
  • هل عُرّب تعريبًا صوتيًا؟

نسبة التعريب الصوتي في كثير من الحقول لا تتجاوز نسبة محدودة، مما يدل على قدرة العربية على توليد المصطلحات واستيعابها. فالمشكلة ليست في عجز اللسان العربي، بل في عجز منتجي المصطلحات أو ضعف المؤسسات التي ترعاها.

اللسانيات الإحصائية

من المجالات الحديثة هى اللسانيات الإحصائية. فهي تساعد في نسبة النصوص المجهولة إلى أصحابها، وكشف السمات الأسلوبية، وقياس الانفعال في الخطاب، وتحليل كثافة الأفعال والصفات، وغير ذلك.

ويضرب مثالًا بإمكان استعمال الإحصاء اللغوي في نفي أو إثبات نسبة بعض النصوص إلى مؤلف معين، أو في تحليل صدق الخطاب وانفعاله. فبعض ما كان يقال قديمًا انطباعًا ذوقيًا يمكن اليوم أن يُقارب بأدوات كمية ومعادلات إحصائية.

اللسانيات القضائية

من المجالات التطبيقية كذلك اللسانيات القضائية، وهي تتعامل مع اللغة في سياق الجريمة والقضاء والتحقيق. ومن موضوعاتها:

  • تحليل الرسائل والتهديدات.
  • فحص الوثائق.
  • نسبة النصوص إلى أصحابها.
  • تحليل الخطاب في السياق الجنائي.
  • دراسة اللغة المستعملة في الاعترافات أو الشهادات.

وقد نشأت لهذا المجال مؤلفات وترجمات ودراسات عربية محدودة، لكنه لا يزال واسعًا ومفتوحًا للبحث.

اللغة والإعلام والتأثير

يدخل أيضًا في اللسانيات التطبيقية مجال اللغة والمعلومات والتأثير، ويشمل:

  • الأسلوب.
  • تحرير الخطاب.
  • الترجمة.
  • الطباعة والتحرير.
  • صناعة المعجم.
  • المدونات الإلكترونية.
  • المعاجم الموجودة على الهواتف والحواسيب.
  • تحليل الخطاب الإعلامي والسياسي.

وهذا المجال يقترب من الدراسات الثقافية والنقد الثقافي وتحليل الخطاب؛ لأن اللغة هنا ليست أداة إبلاغ فقط، بل أداة تأثير وتوجيه وبناء وعي.

اللسانيات التطبيقية والعمل البيني

من أهم ما يؤكد عليه المحاضر أن اللسانيات التطبيقية علم بيني؛ فلا يستطيع اللساني أن يعمل وحده في كل المشكلات. فإذا كانت المشكلة نفسية احتاج إلى علم النفس، وإذا كانت اجتماعية احتاج إلى علم الاجتماع، وإذا كانت عضوية احتاج إلى الطب والتشريح، وإذا كانت تربوية احتاج إلى علوم التربية، وإذا كانت سياسية احتاج إلى العلم السياسي، وإذا كانت حاسوبية احتاج إلى علوم الحاسب.

لذلك من أراد الاشتغال في اللسانيات التطبيقية لا يكفيه أن يعرف اللغة فقط، بل عليه أن يعرف المجال الذي يتدخل فيه. فاللساني الذي يعمل في التخاطب يحتاج إلى معرفة عيادية، والذي يعمل في تحليل الخطاب السياسي يحتاج إلى وعي سياسي، والذي يعمل في المعاجم الإلكترونية يحتاج إلى معرفة بالحوسبة وتجربة المستخدم.

الخاتمة

في الختام نقول أن اللسانيات التطبيقية مجال لا يزال بكرًا في الثقافة العربية قياسًا إلى اتساعه في العالم. وقد بدأ الاهتمام العربي به متأخرًا نسبيًا، ومن أوائل الكتب العربية في هذا الباب كتاب الدكتور عبده الراجحي في علم اللغة التطبيقي.

وما زالت المقررات الجامعية في هذا المجال قليلة، وما زالت الحاجة كبيرة إلى باحثين يختارون مشكلات حقيقية ويتقدمون إليها بأدوات لسانية ومعرفية. فاللسانيات التطبيقية ليست علمًا للترف، بل علم لحل المشكلات، وصناعة الأدوات، وبناء الإنسان والمجتمع.

المراجع

تم بناء المقال من الندوة تحت عنوان “علم اللغة التطبيقي ومجالاته”، أ.د خالد فهمى، بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة، قسم أصول اللغة.

رابط الندوة: على اليوتيوب

لمزيد من المعارف العلمية: قسم علوم ومعارف

مجالات بحثية مقترحة

يقترح د. خالد فهمى جملة من الموضوعات التي يمكن أن تفتح آفاقًا بحثية، منها:

  1. دراسة التراث العربي في اكتساب اللغة والملكة اللغوية في ضوء اللسانيات التطبيقية.
  2. دراسة كتب لحن العامة والخاصة بوصفها تطبيقًا مبكرًا لمعالجة مشكلات الاستعمال.
  3. دراسة التأديب اللغوي في التراث الإسلامي وعلاقته باللغة والسلوك الإنساني.
  4. بناء نماذج لتعليم العربية لغة ثانية اعتمادًا على التدرج والسياق.
  5. الإفادة من التقابليات بين العربية واللغات الأجنبية في تعليم النحو العربي.
  6. دراسة التخطيط اللغوي في قوانين صيانة اللغة العربية.
  7. دراسة مشكلات الكتابة العربية وإصلاح الرسم من منظور التخطيط اللغوي.
  8. صناعة معاجم متخصصة في الحقول الطبية والفلسفية والشرعية والبلاغية.
  9. دراسة مصادر المصطلح العربي ونسب التوليد والترجمة والتعريب.
  10. الاشتغال على اللسانيات الإحصائية ونسبة النصوص المجهولة.
  11. دراسة اللسانيات القضائية في السياق العربي.
  12. بناء قواميس إشارية وطنية لذوي الاحتياجات الخاصة وتحديثها دوريًا.