سنستعرض في هذا المقال أهم أفكار حول القراءة المنجية وكيف يمكن تمثل الجيل الأول لمسألة التدوين والقراءة، ولماذا تأخرت السنة في التدوين، وكان مذهب الصحابة بعد وفأة النبي معارضاً لتدوين السنة في بادىء الأمر وعلى رأسهم سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه؟ كذلك سنقوم بتحرير ما هى مركزية القراءة؟ وما السلوك الأمثل.
تنويه قبل البدء: هذه المقالة جاءت افكارها الاساسية من المصادر المذكورة في نهاية المقالة، يرجى الاطلاع عليها للاستزادة والتعرف عليها. والمقالة بمثابة ملخصاً للمصادر تنقيحاً وتجميعأ.
هذه مقالة جزء من سلسلة القرائية المعروضة في منصتنا: يمكنك الإطلاع على المقالات التالية: —— و ——
محتويات المقال
- 1 هل نحن “أمة اقرأ”؟
- 2 من الجَدب المعلوماتي إلى الفيضان المعلوماتي
- 3 خطورة القراءة بلا فقه
- 4 مثال في ترتيب الطلب
- 5 عبد الله بن المبارك ومشكلة انتقال العلم إلى الكتب
- 6 الوفرة قد تُهلك
- 7 قراءة كثيرة، لكن أين الوجهة؟
- 8 القبول ليس لكل الكتب
- 9 من فتن العصر: الانشغال بالمثنّى
- 10 لماذا كُتبت العلوم؟
- 11 رؤية النموذج الحي
- 12 فائدة القراءة في الزمن المتأخر
- 13 دائرة القراءة النافعة
- 14 القراءة عن الصالحين
- 15 معيار القراءة
- 16 سؤال: كيف أفهم ألفاظ القرآن؟
- 17 مراجع مقترحة لفهم ألفاظ القرآن
- 18 الخلاصة
هل نحن “أمة اقرأ”؟
دائمًا يتكرر الكلام عن الأمة منذ أكثر من خمسين سنة: أن أول ما نزل من القرآن، أو أول كلمة، هي: «اقرأ»، وأننا أمة اقرأ. المعنى حسن من وراء التسمية، لكن العبارة بهذا الإطلاق ليست دقيقة؛ لأن الآية ليست «اقرأ» فقط، بل: اقرأ باسم ربك الذي خلق.
وبعد ذلك تأتي أول الآيات وفيها تحديد لوجهة هذه القراءة. فالمطلوب ليس مطلق القراءة، وإنما القراءة المتصلة بالله، والموجَّهة باسم الله. لماذا؟ لأن الإنسان طبيعته كما وصفه القرآن أيضًا أنه في الأصل جاهل. هذا أصل خلقته، والمصدر الوحيد للعلم المنجي أو العلم النافع هو الله عز وجل. لأجل هذا فالأمر بالقراءة جاء مقيدًا: «باسم ربك».
لذا القراءة والعلم لهما ضابط ووجهة. مطلق القراءة قد يكون مفسدًا، ومطلق العلم قد يكون مفسدًا. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع. فليس كل علم نافعًا، وليست كل قراءة نافعة. هناك علم ينفع وعلم لا ينفع، وهناك قراءة تنجي وقراءة تُهلك.
من الجَدب المعلوماتي إلى الفيضان المعلوماتي
كان الدكتور نبيل علي، رحمه الله، من أكبر الأسماء في موضوع حوسبة المعرفة، وتحويل النصوص إلى مادة يمكن التعامل معها حاسوبيًا، والإنترنت والثقافة العربية عمومًا. وكان يقول إننا كنا نعاني في عصر من العصور كعرب وكمسلمين من «جدب معلوماتي»؛ أي أن الوصول إلى المعلومة كان صعبًا جدًا.
لو أحدًا كان يحضّر ماجستير أو دكتوراه من عشرين أو خمس وعشرين سنة، فقد كان يقضي ثلاث أو أربع سنوات، ونصف هذا الوقت أو أكثر في تحصيل المراجع. حتى في المناقشات كان يُسأل: أين الكتاب الفلاني؟ وأين المرجع الفلاني؟ ومنذ أعوام لو جلست ساعة واحدة على الإنترنت، تستطيع أن تجمع كل المراجع الممكنة وغير الممكنة. وحتى لو لم تستطع الوصول إلى الكتاب نفسه، فستعرف أن هناك كتابًا بهذا العنوان، وستعرف أين تبحث عنه. أما الان فلا تحتاج سوى دقائق مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
والأزمة التي نعيشها الآن ليست جدبًا معلوماتيًا، بل فيضان معلوماتي. لم يعد عندنا نقص في المعلومة، بل زيادة مفرطة في المعلومات. وهذا أيضًا جدب معرفي من نوع آخر؛ لأن كثرة المعلومات بلا منهج ولا وجهة قد تهلك صاحبها. وقد يقول لك أحدهم: «أنا عايز أقرأ كتابًا». فتقول له: «هذه مكتبة الكونجرس، ادخل واقرأ». هذا ليس نافعًا. لماذا؟ لأنه لا يعرف ماذا يقرأ، ولا بأي ترتيب، ولا ماذا يحتاج قبل ماذا.
مثل شخص القائل: «أنا أحب الهندسة وأريد أن أقرأ في الهندسة»، فتقول له: «هذه مكتبة كلية الهندسة، اقرأ». هل هذا مفيد؟ لا، لأنه لا يوجد منهج ولا ترتيب. هناك أشياء ينبغي أن يتعلمها قبل غيرها. كل العلوم هكذا. لا يصح أن تكون القراءة مطلقة بلا منهج. والسؤال الذي يتكرر دائمًا: «اعمل لي وصفة قراءة، أي شيء على ذوقك». لكن المشكلة: ماذا تريد؟ وما الذي يناسبك؟ كان الشيخ أنس السلطان يقول: «الكباب أكلة جميلة جدًا، لكن لو أكلها رضيع يموت». فليست كل مادة صالحة لكل شخص، ولا كل كتاب يصلح لكل مرحلة.
خطورة القراءة بلا فقه
كان العلماء قديمًا يقولون: حديث النبي صلى الله عليه وسلم صحيح مضلة لغير الفقهاء. أي أن غير الفقيه قد يقرأ الحديث ويفهمه خطأ، فيخرج بنتيجة فاسدة.مثل شخص لم يدرس الطب، لكنه يحب الطب، فيأتي بكتب الطب ويتعامل معها بنفسه. ماذا سيخرج منه؟ غالبًا قاتل مأجور، أو شيء بعيد تمامًا عن الطب الصحيح. ولهذا كان هناك مذهب قديم عند بعض العلماء: أنهم لا يتركون كتبهم بعد موتهم. فإذا أحس أحدهم باقتراب أجله دفن كتبه، أو غسلها، أو أحرقها. كانت الكتب قديمًا تُمحى بالغسل، لأن الحبر لم يكن ثابتًا كاليوم. قد يستغرب الإنسان: لماذا يفعلون ذلك؟
وفي السلف، ومنهم الصحابة، كان يأتي الشخص فيقول: «أريد أن أتعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم». فيقول له الصحابي الحديث، فإذا جاء يكتبه قال له: «لا، هات الورق فقطّعه، استحفظ ولا تكتب». قد يبدو هذا عجيبًا: رجل تابعي جاء مسافرًا ومتعبًا ليسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا يُعطى الحديث مكتوبًا؟
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه استخار شهرًا كاملًا في تدوين السنة، ثم انصرف عن ذلك. والسؤال: ما الذي جعل عمر، وهو من هو، يتردد في تدوين السنة؟
الفكرة أن العلم ليس مجرد نصوص تُنقل؛ بل هناك ترتيب وتربية وفقه وحال.
مثال في ترتيب الطلب
ورد أن رجلًا جاء إلى أحد كبار أهل الحديث وقال: «أريد أن أطلب الحديث». أي يريد تعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا في ذاته طلب حسن. فقال له العالم: هل حفظت القرآن؟ قال: نعم. فسأله من القرآن، فأجاب. ثم قال له: هل تعلمت الفرائض؟ أي علم المواريث. قال: نعم. فسأله سؤالًا في الفرائض، فأجاب. ثم قال له: هل تعلمت العربية، لسان العرب؟ قال: نعم. فسأله سؤالًا في الإعراب: لماذا رُفعت هذه الكلمة هنا ونُصبت هناك؟ فأجاب. فقال له: لو كنتُ محدثًا أحدًا لحدثتك.
أي: لو كنت سأعلّم أحدًا، لكنت أنت أولى الناس، ومع ذلك لم يحدّثه.
هذا الرجل حفظ القرآن، وتعلم الفرائض، وتعلم العربية، ثم جاء يطلب الحديث، ومع ذلك مُنع. لماذا؟ لأن المسألة ليست مجرد رغبة في القراءة أو الطلب، بل هل الإنسان مهيأ؟ وهل سيأخذ العلم في موضعه؟
عبد الله بن المبارك ومشكلة انتقال العلم إلى الكتب
عبد الله بن المبارك، رحمه الله، كان تاجرًا، وعالمًا، ومجاهدًا، وحافظًا، ومحدثًا، وفقيهًا، وله مذهب. وكان من كبار أولياء الله، نحسبه كذلك والله حسيبه. كان إذا مرّ فرأى من لا يعرف قدر العلم يكتب العلم، تغيّر وجهه وغضب. وكان يقول: كان العلم شريفًا حين كان في صدور الرجال، إلا لما انتقل إلى الكتب.
أي أن المشكلة ليست في الكتاب نفسه، بل في أن الكتاب صار بديلًا عن الرجل، عن العالم المربي، وعن الحال العملي. وفحوى ما يقال لا يعني الرفض عن القراءة، لكننا لكن المقصد عدم مطلق القراءة. إنما القراءة «باسم الله».
الإنسان كائن موجود لوقت محدود على هذا الكوكب، ويغلب عليه الأصل أنه جاهل. فهو يولد لا يعرف شيئًا. وعندما ترى الأطفال ترى ما يعنيه الأمر، وبما أن الإنسان جاهل، ووقته محدود. فماذا يقرأ؟ وماذا يتعلم؟
الجواب: يقرأ باسم ربه الذي خلق. العلم الذي يأخذه ينبغي أن يكون من جهة الله عز وجل، وإلا فقد يكون من جهة الشيطان؛ لأن هناك علمًا لا ينفع.
المشكلة الآن أن عندنا فيضانًا معلوماتيًا حقيقيًا. الطالب اليوم قد يصل إلى معلومات لا يصل إليها الأستاذ، وهو جالس أمامه. يفتح الإنترنت، يبحث، يترجم مرجعًا فرنسيًا أو ألمانيًا، ويأتي بمعلومة لم يقرأها الأستاذ. لكن هل بهذا صار الطالب عالمًا؟ لا. يبقى السؤال: ما الوجهة؟ وما الهداية؟
الوفرة قد تُهلك
الوفرة قد تُهلك الإنسان. كثرة كل شيء قد تكون مهلكة.
السيدة عائشة رضي الله عنها، لما بدأ الناس يسألونها عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم، جاءها طلبة فحدثتهم بحديث. ثم جاءوا في اليوم الثاني فحدثتهم. ثم جاءوا في اليوم الثالث، فقالت لهم: لا، أنتم جئتم كثيرًا. كل هذه الأحاديث التي تحفظونها مني، هل تعملون بها؟ قالوا: لا. فقالت لهم بمعنى: لماذا تكثرون من حجج الله عليكم؟
أي أن العلم الذي لا تعمل به يتحول إلى حجة عليك. وكذلك القرآن. الصحابة لم يكونوا يحفظون القرآن كما نحفظه اليوم قبل الامتحان؛ حفظ ضغط وامتحان ثم ينسى. لم يكن هذا هو الحفظ المطلوب.
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حفظ سورة البقرة في ثماني سنوات، وفي رواية اثنتي عشرة سنة. ونحن اليوم قد نحفظها في شهر أو أقل. لكنهم كانوا يحفظون خمس آيات، ثم يعملون بها، ثم ينتقلون إلى غيرها.
الفاتحة هي أم الكتاب، وفيها أصل الكتاب كله. والبقرة وآل عمران عبارة عن شرح للفاتحة، ثم المفصل بعد ذلك تفصيل دقيق لما في البقرة وآل عمران. ولذلك كان لسورتي البقرة وآل عمران وزن كبير في السيرة والسنة والحديث. ففي السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع قوم، ومعهم صبي صغير عمره ست أو سبع سنوات، فسألهم عما يحفظون. فلما قال الصبي إنه يحفظ البقرة، جعله النبي صلى الله عليه وسلم أميرهم، وكان يؤمهم في الصلاة وهو صبي.
القيمة هنا ليست في عدد الصفحات، بل في الوزن الحقيقي للعلم والعمل به.
قراءة كثيرة، لكن أين الوجهة؟
افترض أنني قرأت ألف كتاب. هل هذا مفيد؟ على حسب: ما وجهة هذه القراءة؟ وما الغاية منها؟
هل قراءة المجلات والقصص القصيرة ضمن القراءة المفيدة؟ فيها فائدة من جهة أن الإنسان يعتاد قراءة النص العربي، ويتذوق العربية، ولا يتعوج لسانه. وخاصة في بداية الحصول على ملكة القراءة.
لكن السؤال: لو أن هذا الوقت صُرف في شيء يقرب من الله خطوة، هل كان أولى؟ هل روايات «رجل المستحيل» مثلاً تقرب من الله عز وجل خطوة؟
المعيار هو: هل ما يُقرأ داخل في الوجهة أم خارج عنها؟ والمحك أن وقت الأنسان محدود، ولا تعرف كم بقي منه. الإمام النووي رحمه الله عاش نحو أربعين سنة، وكان يدرس اثني عشر درسًا في اليوم: حديث، وفقه، ولغة، وحفظ، وكتابة. وكان لا ينام إلا مغلوبًا. هذا ليس مجهود طالب في الثانوية العامة؛ هذا مجهود رجل أدرك أن وقته قصير وأن مهمته عظيمة.
القبول ليس لكل الكتب
من علامات القبول أن يضع الله لكتاب وزنًا في الأمة. ليس كل كتاب له الوزن نفسه. فمثلًا: المقدمة الآجرومية في النحو. هي كتاب صغير، سبع أو عشر ورقات، لكنها صارت مدخلًا لكل من يريد تعلم لسان الكتاب والسنة. وكذلك تحفة الأطفال في التجويد. هي للأطفال في الفن، أي للمبتدئين، لا للأطفال عمرًا. كم كتابًا أُلّف في النحو؟ كثير جدًا. ومع ذلك وُضع القبول للآجرومية وألفية ابن مالك.
عندنا ألفية ابن معطي قبل ألفية ابن مالك، وعندنا ألفية السيوطي وهي أتم من ألفية ابن مالك، ومع ذلك القبول الموضوع في الأمة كان لألفية ابن مالك. وكذلك الموطآت: كُتبت موطآت كثيرة، ولم يبقَ مشهورًا متداولًا إلا موطأ الإمام مالك. لما عزم الإمام مالك أن يكتب الموطأ، قيل له: قد كتب الناس موطآت كثيرة. فقال: ائتوني بها. فلما نظر فيها قال: ما كان لله سيبقى.
من فتن العصر: الانشغال بالمثنّى
من الفتن أن ينشغل الناس بما كُتب غير كتاب الله حتى يزاحم كتاب الله. ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كلام في التحذير من زمن تُتلى فيه «المثنّى» ولا ينكر ذلك أحد. فسُئل: وما المثنّى؟ فكان المعنى: ما استُكتب غير كتاب الله، أو ما كتبه الناس غير كتاب الله. كأنه يستنكر أن ينشغل الناس بالمكتوب المقروء غير كتاب الله حتى يصير أصلًا يزاحم الأصل.
وهذا مما جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتردد في تدوين السنة، حتى لا ينشغل الناس عن كتاب الله كما فعلت اليهود والنصارى، حين ألحقوا بكتبهم أشياء كثيرة حتى زاحمت الأصل.
كان عمر رضي الله عنه إذا خرج الصحابة إلى العراق أو البلاد المفتوحة، يقول لهم: إنكم تقدمون على قوم لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تشغلوهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. قد يبدو هذا غريبًا: كيف لا يحدثونهم عن النبي؟
لكن الصحابة كانوا هم التطبيق العملي. عندك القرآن، وعندك الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يتحرك. سترى الصلاة أمامك، والعبادة أمامك، والجهاد أمامك، والأخلاق أمامك. فكل أعمال البر ستنقل لك نقلًا عمليًا. ولهذا نجد أن كبار الصحابة، وهم أعلى الأمة، مروياتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قليلة جدًا. أبو بكر الصديق رضي الله عنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها، ومع ذلك مروياته قليلة جدًا. لأن علم أبي بكر لم يكن مجرد روايات؛ علمه كان عملًا وسمتًا وهديًا.
لماذا كُتبت العلوم؟
قد يقول قائل: لو استمر الأمر على عدم الكتابة لضاع العلم والسنة والقرآن. والجواب: الناس لم تقوَ على ما فعله الصحابة، وهو نقل العمل جيلًا بعد جيل. فلما ضعف التمثّل العملي، اضطر الناس إلى التدوين. لذلك يمكن أن نقول: الكتابة من جهة ما دليل انتكاس؛ لأنها تظهر حين يغيب النموذج الحي.
اليوم لو قال شخص: أريد أن أتعلم الإخلاص. هل تستطيع أن تشير إلى رجل وتقول: اذهب إلى فلان وتعلم منه الإخلاص؟ صعب جدًا. لو قال: أريد أن أتعلم الحياء، أو التقوى، أو الأدب. هل تجد شخصًا حيًا حاضرًا تقول له: هذا هو النموذج؟ غالبًا لا.
لذلك كُتبت الأعمال القلبية: تعريف الإخلاص، وشواهد الإخلاص، والإنابة، والتوبة، والرجاء، والاستقامة. لماذا؟ لأن النموذج الحي قلّ أو غاب. وكذلك اللغة. لو أردت أن تعرف معنى كلمة عربية، هل تستطيع أن تشير إلى رجل فصيح يحتج بلسانه؟ لا. فتذهب إلى المعجم. لماذا؟ لأن أهل اللسان الذين يُحتج بكلامهم ماتوا، فاختُزل عصر الاحتجاج في المعاجم. ولو أردت أن تتعلم الجهاد في زمن خالد بن الوليد، لم تكن تحتاج إلى قراءة باب الجهاد فقط؛ كان يكفي أن تمشي مع خالد، فتفهم المعنى عمليًا.
رؤية النموذج الحي
النبي صلى الله عليه وسلم كان خلقه وحاله وفعله بيانًا للقرآن. ومن رأى النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه رأى التنزيل متمثلًا. ومن رأى جمهور الصحابة مجتمعين رأى أثر التنزيل عمليًا. ولهذا ورد في الحديث أن طائفة تغزو، فيقال: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم تأتي طائفة أخرى، فيقال: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله؟ فيفتح لهم. ثم تأتي طائفة أخرى، فيقال: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله؟ فيفتح لهم.
المعنى: وجود الصحابي، أو التابعي، أو تابع التابعي، ليس مجرد وجود شخص، بل وجود سلسلة تمثّل للهدي. كان أهل الحديث يقولون: إن عبد الله بن مسعود كان أشبه الناس بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسمته. وكان إبراهيم النخعي أشبه الناس بعبد الله بن مسعود. فإذا رأيت إبراهيم فكأنك رأيت عبد الله بن مسعود، وإذا رأيت عبد الله بن مسعود فكأنك رأيت أثرًا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن هذه السلسلة تنقطع. اليوم لا تستطيع أن تقول لشخص: اذهب إلى فلان، وشاهد قعدته، وأكله، وسلوكه مع الناس، وجهاده، وكلامه، فتتعلم الدين كله. لذلك حلّت الكتب محلّ النماذج الحية. وهذا واقع، لا نقول إنه حسن مطلقًا أو قبيح مطلقًا؛ هو واقع اضطررنا إليه.
فائدة القراءة في الزمن المتأخر
إذا فُعلت القراءة بحقها، فقد يصير الإنسان في منزلة عظيمة؛ لأنه يؤمن بما لم يرَ، ويتبع ما لم يشاهد تطبيقه حيًا.
في قصة جرجيس، وكان من مقاتلي الروم في اليرموك، أنه سأل خالد بن الوليد رضي الله عنه عن الإسلام، وعن معنى «سيف الله المسلول». فشرح له خالد الإسلام. فقال جرجيس: أنتم أخذتم الفضل والسبق لأنكم رأيتم النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له خالد بمعنى: بل يمكن أن تكونوا أفضل منا من جهة أنكم تؤمنون ولم تروا ما رأينا. ثم أسلم جرجيس، وقاتل مع المسلمين في اليرموك، وقُتل، ولم يسجد لله إلا سجدة واحدة.
وفي المعنى نفسه، سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: من أعجب الناس إيمانًا؟ فقالوا: الملائكة. قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: فالأنبياء. قال: وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ثم ذكر قومًا يأتون من بعد، يجدون إيمانًا مكتوبًا في الكتب، فيقرؤونه فيؤمنون به.
دائرة القراءة النافعة
القراءة النافعة هي ما يدل على الله عز وجل، وما كان في دائرة القرآن وملحقات القرآن. أريد أن أتعلم القرآن، فأحتاج إلى التجويد؛ لكن التجويد وسيلة لا غاية. أتعلم التجويد لكي أقرأ القرآن، لا لكي أقف في التجويد وأنسى القرآن. وأحتاج إلى التفسير، لكن التفسير كذلك وسيلة لفهم خطاب الله والعمل به.
كان الحسن البصري رحمه الله يقول: أُنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملًا. أي أن الناس جعلوا مجرد القراءة هي العمل، مع أن القراءة خطوة إلى العمل.
نعم، قراءة القرآن فيها أجر، وكل حرف بحسنة، لكن هذه بداية الطريق، وليست نهاية الطريق. القراءة المطلوبة هي قراءة الإيمان: اقرأ إيمانًا، فاعمل به، فتنجو إن شاء الله، وتلتحق بعمل الصحابة أو بشيء من هديهم. وفي الحديث: المتمسك بمثل ما أنتم عليه له أجر خمسين منكم. وفي بعض الروايات: لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا يجدون.
الصحابة كانوا يعيشون بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وغيرهم. يذهب إلى السوق فيجد صحابيًا، وإلى القضاء فيجد صحابيًا، وإلى الجهاد فيجد صحابيًا. أما المتأخر فقد يكون وحده وسط بيئة لا تعينه، فإذا تمسك كان أجره عظيمًا.
القراءة عن الصالحين
قراءة سير الصالحين نافعة، حتى لو لم يستطع الإنسان أن يعمل بعملهم كاملًا. لماذا؟ لأنها تورث المحبة. جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله: متى الساعة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب. يقول أنس رضي الله عنه إنهم ما فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث. ثم قال: فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بعملهم.
إذن القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحين نافعة؛ لأنها تورث الحب. وإذا أحب القلب صالحًا، فإنه غالبًا يتأثر به، ولو في بعض فعله وحاله. عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في أشياء ليست من باب التشريع العام، لكنه كان لا يملك نفسه من شدة المحبة والتأثر.
فالإنسان حين يقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو سيرة الصحابة، أو سير الصالحين، فإن قلبه ينفعل بعبادتهم، وتقواهم، وتعاملهم مع القرآن، وجهادهم، وصدقهم. وحتى لو لم يعمل مباشرة، فهذه القراءة قد تنجيه بالمحبة، ثم تدفعه بعد ذلك إلى العمل.
معيار القراءة
الوجهه العامة: اقرأ باسم ربك. إذا اختلت الوجهة، تختل الأولويات، وتختل الأوزان في القلب، ثم يختل السلوك. قد يقول أحدهم: أنا أقرأ القرآن، لكن قلبي قاسٍ. أو: أقرأ في الإيمان، لكن لا أتغير. أحيانًا يكون السبب أنه قطع عن قلبه مادة الحياة الأساسية، وانشغل بعلوم أو كتب لا تغذي القلب.
مثل نبات ترش عليه كل يوم عطرًا أو كولونيا. رائحته حلوة، لكن النبات سيذبل؛ لأن مادة حياته هي الماء، لا العطر. قد تكون بعض الكتب الفكرية أو الكلامية أو الأصولية نافعة في موضعها، لكنها ليست مادة حياة القلب الأساسية. مادة القلب الأساسية هي القرآن، والإيمان، وسير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحين، وما يدل على الله عز وجل.
سؤال: كيف أفهم ألفاظ القرآن؟
قراءة القرآن نوعان:
- قراءة تعرّض: أن تعرض قلبك لكلام الله، وهذه نافعة إن شاء الله.
- قراءة فهم وعمل: وهذه تحتاج إلى معرفة المعاني، خاصة لأن المدة طالت بيننا وبين العصر الأول. فأصبحت 14 قرناً.
لو أردت أن تبدأ بفهم معاني القرآن لغويًا، فهناك طريقة نافعة: فهم جذور ألفاظ القرآن.
القرآن كله فيه نحو 77,441 كلمة. لكن جذور هذه الكلمات تقارب 1,800 جذر فقط. والجذر مثل: «كتب»، تخرج منه كلمات مثل: كتاب، كاتب، مكتوب، يكتبون. فإذا فهمت الجذر، استطعت أن تفهم عائلة كاملة من الكلمات. اللافت أن أكثر 100 جذر شيوعًا في القرآن تمثل نسبة كبيرة جدًا من النص، قيل إنها تقارب 67%. فإذا بدأت بالمئة جذر الأكثر شيوعًا، فقد فتحت بابًا كبيرًا لفهم القرآن.
مثال: جذر «حيي». منه: حياة، حي، حيوان، تحية. وهلم جرا، هذا الجذر أصل المعنى فيه الحركة والاضطراب والحياة في مقابل الجماد. فالتحية، مثل «حياك الله»، فيها دعاء بالحياة والامتداد. الحيوان منها شدة الحياة -بتشديد الواو- ومنها الكائن الحي.
الجذور اللغوية هى الحروف التي تكون من خلال عدة كلمات متشابكة ببعض مثل جذر كتب، فيخرج منها، كتاب، وكتب، كاتبون، كتّاب، مكتوب، كاتب، وهلم جرا.
مراجع مقترحة لفهم ألفاظ القرآن
1. معجم كلمات القرآن لخضير
هذا المعجم يذكر الكلمات وجذورها وعدد ورودها في القرآن، فيساعدك أن تعرف الألفاظ الأكثر شيوعًا، وتبدأ بها بدل أن تتشتت.
2. المعجم الاشتقاقي لألفاظ القرآن الكريم – محمد حسن جبل
هذا المعجم يشرح «المعنى المحوري» للجذر، ثم يبين كيف تتفرع منه الكلمات القرآنية. وهو نافع جدًا لفهم الرابط بين الكلمات التي ترجع إلى جذر واحد.
3. التحقيق في كلمات القرآن الكريم – المصطفوي
معجم لغوي مساعد لفهم بعض المصطلحات القرانية، مع العلم أن المؤلف شيعي.
4. موقع The Quranic Arabic Corpus
هذا الموقع يعرض الجذور والكلمات الأكثر شيوعًا في القرآن، وتصنيفات نحوية وصرفية كثيرة. وهو عمل أكاديمي نافع، وإن كان من المحزن أن كثيرًا من هذه الأعمال التقنية حول القرآن لم ينجزها المسلمون وحدهم.
الخلاصة
ليست المشكلة أن نقرأ أو لا نقرأ، بل ماذا نقرأ، ولماذا نقرأ، وبأي ترتيب نقرأ. القراءة النافعة هي القراءة التي تدل على الله، وتزيد الإيمان، وتدفع إلى العمل. أما مطلق القراءة، بلا وجهة ولا هداية، فقد يكون تكديسًا للمعلومات، أو زيادة في الحجة على الإنسان. نحن في زمن فيضان معلوماتي، والنجاة ليست في أن نقرأ كل شيء، بل في أن نقرأ ما يحيي القلب، ويضبط الوجهة، ويرتب الأولويات، ويقرب من الله عز وجل.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
المراجع
تم تجميع محتوى هذه المقالة من ندوة: بين دفتي كتاب للمهندس أيمن عبدالرحيم بتنظيم، فريق صحابي. بتاريخ 30 يناير 2016
رابط الندوة: منصة اليوتيوب