كنت قرأت للمرء الأولى عن أبي الريحان البيروني وأنا في عمر الثانية عشرة في أحدى مجلات الصغار وتحديداً مجلة العربي الصغير، ومنذ ذلك الوقت وهو لا يفارق بالي إذا جاء في خاطري علماء المسلمين، كيف لا، وسيرته حافلة وغنية بما يمكن أن ينتفع بها كل طالب علم ناهم، يريد أن يعرف العالم بنظرة واسعة، وقدرة واعية عند التعامل معه. لذلك منذ تلك اللحظة التي قرأت فيها عنه، ظل ساكناً في قلبي كأول شخص أتخذه قدوة في مهدي، لهذا فضلت أن يكون أول مقال أكتبه عن سيرة مسلم أن تكون له.
سأحاول أن أعرض أبي الريحان البيروني كسيرة عارضة لحاله ولأفكاره وبعض من مناهجه في سياقات عدّة لنعرف كيف كان يفكر، وكيف كان يدخل على العلوم، وكيف استطاع ان يجعل القياس واللغة والإنصاف أدوات متصلة.
لذلك فهذه ليست سيرة بالمعنى المدرسي، ولا محاولة لجمع كل ما قيل عن الرجل للمرجعية. ويمكن لمن أراد الرجوع إلى مدخل مختصر أن يقرأ سيرة البيروني في الموسوعة البريطانية، وكذلك المزيد من مقالات العلوم والمعارف في آثار.
حياته ونشأته
ولد أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في خوارزم سنة 362هـ تقريبًا، الموافق 973م، في منطقة كانت واقعة في أطراف العالم الإسلامي الشرقي، لكنها لم تكن هامشًا معرفيًا كما قد يتخيل البعض. كانت خوارزم وما حولها ملتقى للغات والثقافات والعلوم، ومكانًا تتجاور فيه بقايا التراث الفارسي واليوناني والهندي مع العربية بوصفها لغة العلم في الحضارة الإسلامية.
ليس في بداياته كثير من التفاصيل الشخصية. وهذا في حد ذاته لافت؛ كأن الرجل خرج من كتبه أكثر مما خرج من أخبار نسبه وأسرته. حتى إن بعض المصادر تذكر عنه كلامًا يدل على أنه لم يكن متعلقًا بالفخر بالأصل والنسب، وأن مكانته عنده لم تكن تأتي من عائلة أو قبيلة، بل من العلم والعمل. وهذا المعنى، حتى لو لم نتوسع فيه، ينسجم مع صورته العامة: رجل لا يريد أن يُقاس بما وراءه، بل بما يحققه أمامه.
تعلّم البيروني في بيئة علمية مبكرة، وكان من أهم من أثروا فيه أبو نصر منصور بن علي بن عراق، وهو عالم رياضي وفلكي من بيت حكم وعلم. ويبدو أن هذا التكوين الأول كان حاسمًا؛ لأن البيروني لم يبدأ من ثقافة أدبية عامة ثم تفرع، بل بدأ من العلوم الدقيقة: الرياضيات، الفلك، الرصد، الهندسة. وهذا مهم جدًا لفهم عقله. فالعقل الذي يتربى على الزاوية والظل والإحداثي والبرهان لا يتعامل مع الأخبار والأديان والعادات بنفس طريقة الواعظ أو المؤرخ الحكائي. بل يبحث في كل شيء عن نظامه الداخلي.
في شبابه المبكر، كان قد بدأ العمل العلمي الجاد. وتذكر المصادر أنه حسب عرض مدينة كاث وهو في السابعة عشرة تقريبًا، وأنه كتب في الخرائط والإسقاطات وهو في سن صغيرة. هذا يعطينا أول مفتاح: البيروني لم ينتظر اكتمال العمر لكي يبدأ. لم يكن يتعامل مع العلم كتحضير أبدي، بل كاشتغال مبكر. يتعلم ثم يقيس، يقرأ ثم يكتب، يلاحظ ثم يصحح.
لكن حياته لم تكن حياة طالب هادئ في مكتبة مستقرة. السياسة كانت تضرب المنطقة من حوله. خوارزم، جرجان، الري، غزنة، الهند؛ هذه ليست أسماء في فهرس جغرافي، بل محطات ارتحال واضطراب. سقطت دول، وقامت دول، وانتقل الرجل بين رعاية الأمراء وضغط السلطان. عاش قرب البلاطات، لكنه لم يبدُ كعالم بلاط بالمعنى الرديء للكلمة. استفاد من الرعاية حين وُجدت، لكنه لم يجعلها غاية. كان يحمل مشروعه معه، حتى حين تبدلت المدن والأمراء.
ولعل أكثر مرحلة حاسمة في حياته كانت انتقاله إلى غزنة، ثم اتصاله بالهند في سياق حملات محمود الغزنوي. وهنا يظهر معدن البيروني الحقيقي. رجل مسلم يعيش في ظل جيش يفتح بلادًا، ويستطيع أن يرى الهنود فقط من زاوية الغالب والمغلوب، لكنه يفعل شيئًا مختلفًا تمامًا: يتعلم لغتهم، يقرأ نصوصهم، يجالس علماءهم، يحاول أن يفهمهم من داخل نظامهم لا من داخل كراهية المنتصر لهم. كأن الحدث السياسي، بكل قسوته، تحول عنده إلى باب معرفي.
هذا لا يعني أنه كان خارج عصره تمامًا، ولا أنه بلا تحيزات. لا يوجد إنسان بلا موضع وبلا زمن. لكنه كان يمتلك درجة نادرة من مقاومة التحيز. كان يعرف أن الاختلاف الديني والثقافي قد يجعل الإنسان يكسل: يكتفي بأن يقول “هؤلاء مخطئون” ثم ينتهي. أما البيروني فكان يميز بين الحكم على الاعتقاد، وفهم الاعتقاد. تستطيع أن تخالف إنسانًا، لكنك لا تملك حق تشويه قوله. تستطيع أن ترفض، لكن لا يحق لك أن تجهل ثم تتكلم كأنك علمت.
الدخول الى العلم
البيروني كان عنده أدب شديد مع المعرفة، وأول هذا الأدب أن تدخل العلم من بابه الأصلي قدر الإمكان. لذلك تعلم السنسكريتية حين أراد دراسة الهند وهذا ليس بأمر هيّن بل تعلم لغة أمة أخرى يعني أنك تعترف ضمنيًا أن ما عندهم لا يُفهم كاملًا من الخارج. اللغة ليست وعاءً محايدًا، بل تحمل التصورات والمصطلحات والطبقات الشعورية والدينية والفلسفية. من لا يعرف لغة القوم يظل محتاجًا إلى وسيط، والوسيط قد يختصر أو يخطئ أو يتحيز أو يعجز. وسوف نفصّل في هذا النقطة القادمة.
وهذا الأدب لو طبقناه اليوم لتغيرت علاقتنا بالعلم كثيراً. كثير منا يدخل العلوم عبر المقاطع القصيرة، أو عبر خصومات الناس حولها، أو عبر ملخصات بلا سياق. ثم يستعجل الحكم: هذا العلم عميق، هذا العلم تافه، هذه المدرسة خاطئة، هذا المجال لا يناسبني.
ونرى في البيروني كذلك أهمية الدخول الى العلوم وأنت مالك لقدر كبير من التصورات والأفكار المسبقة والحصانة الفكرية لما ستتعلمه، وهذا يؤخذ من التعمق والفهم للعلوم الشرعية، حيث كان البيروني يتعلم من الداخل، لكنه لم يفقد مسافته النقدية أثناء التعلم. وهذه معادلة صعبة فبعض الناس إذا اقتربوا من علم أو ثقافة ذابوا فيها، وبعضهم إذا حافظوا على هويتهم ولم يدخلوا للعلوم فقدوا فرصة أن يفهموا غيرهم. فتعلم قدر جيد كأرضية تسير عليها من العلوم الشرعية والتصور الاسلامي هو ما يجعلك أن تجمع بين الأمرين ممكناً: يدخل بما يكفي للفهم، ويبقى خارجه بما يكفي للحكم.
ومن ذلك كان في دراسته للهند قادرًا على المقارنة بين الفلسفات الهندية واليونانية، وبين تصورات دينية مختلفة، وبين علوم رياضية وفلكية متعددة. ليعرف أين تتقاطع العقول، وأين تفترق، وأين يكون الخلاف في اللفظ، وأين يكون في أصل التصور. لذلك جوهر منهج البيروني أن يجمع المادة، ويضبط المصطلح، ويتعلم اللغة، ويسمع من أهل الاختصاص، ثم يقارن.
و من هنا قد نستخرج قاعدة عامة: لا تقارن قبل أن تفهم. المقارنة قبل الفهم ظلم مزدوج؛ تظلم الشيء الذي درسته، وتظلم الشيء الذي تقارنه به.
موسوعية متشابكة
من السهل أن نقول إن البيروني كان موسوعيًا. لكنه وصف يخفي أكثر مما يكشف. فهو يوحي بشخص يعرف في كل شيء شيئًا. بينما كانت في البيروني أقرب إلى شخص يرى أن العلوم متداخلة بطبيعتها، وأن الفصل بينها مفيد للتعليم، لكنه ليس وصفًا حقيقي للواقع، وسوف نفصّل هذا تالياً.
الفلك عنده انما رياضيات وجغرافيا وتقويم وتاريخ وصلاة وقبلة ومواقيت. والجغرافيا ليست وصف بلدان فقط، بل إحداثيات ومسافات ونهايات أماكن وتصحيح خرائط. والتاريخ ليس رواية فقط، بل تقاويم وأعياد وأنظمة زمنية ومقارنة بين أمم. ودراسة الهند ليست غرائب وعادات وفضول، بل لغة وفلسفة ودين ورياضيات وفلك واجتماع. والصيدلة ليست أسماء أعشاب فقط، بل لغة ومصطلح وتجربة ومعرفة بالأقاليم والمواد.
لهذا لا يبدو تنوعه مشتتًا إذا فهمنا مركزه: كيف نعرف الواقع كما هو، لا كما وصل إلينا مشوهًا بالجهل أو العادة أو الرواية الضعيفة أو الترجمة الركيكة؟
ومن هنا نفهم كتبه الكبرى:
في “الآثار الباقية عن القرون الخالية” يدرس الزمن كما تفهمه الأمم: التقاويم، الأعياد، الشهور، حساب السنين، اختلاف الروايات، أثر الدين في بناء الزمن الاجتماعي. وهذا كتاب لا يهم المؤرخ فقط، بل يهم الفلكي واللغوي والأنثروبولوجي أيضًا.
وفي “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” لا يقدم رحلة مسافر أو بلوجر وانما مشروع فهم حضاري. العنوان نفسه مذهل: تحقيق. ليس “أخبار الهند”، ولا “غرائب الهند”، بل تحقيق ما للهند. أي محاولة إنصاف ما عندهم، ثم تمييز المقبول عقليًا من المرذول. وهذا التمييز ملفت جداً.
وفي “القانون المسعودي” يجمع الأرصاد والجداول والنظريات ويصوغ موسوعة ضخمة في الهيئة والنجوم. هذا الكتاب يحتاج الصبر على بناءه ونحن نتكلم عن عصور لم تمتلك أدوات مثل ما نملك.
وفي كتابه “الجماهر في معرفة الجواهر” يشتغل على المعادن والأحجار بوصفها مواد لها خصائص، وكثافات، وأوزان نوعية، وتمييزات قابلة للتحقق. وفي “الصيدنة في الطب” يقدم معجمًا علميًا لغويًا عن الأدوية.
التعامل مع المخالف
طريقة البيروني في التعامل مع المخالفين أمر ملفت للغاية خاصةً في كتابه عن الهند حيث لم يكن يدرس جماعة قريبة منه في الاعتقاد واللغة والعادة. كان يدرس عالمًا آخر: لغة صعبة، دين مختلف، فلسفات غريبة على القارئ المسلم، نظام طبقات، طقوس، علوم، أساطير، حساسيات تاريخية، وعداء متبادل زادته الحروب.
في مثل هذا السياق، كان الأسهل أن تكتب كتابًا هجائيًا وأن تخرج فيهم المساوىء كافة بأن تجمع أغرب الأقوال، وتعرضها بطريقة تثير السخرية كما يفعل البعض في واقعنا اللطيف، ثم تخرج بنتيجة جاهزة: هؤلاء قوم لا عقل لهم. وهذا النوع من الكتابة مريحة ورائجة في عصر مثل عصرنا لأنه يمنح القارئ شعور التفوق دون أن يكلفه جهد الفهم.
أما البيروني لم يفعل ذلك. كان يريد أن ينقل كلام القوم كما هو، لا أن ينسب لأفواههم ما ليس لهم. وهذا أولى خطوات الإنصاف في نقد الآخر. أن لا تنتصر عليه بنسخة مشوهة صنعتها أنت. ومن هنا يمكن صياغة قاعدة بيرونية ثالثة، وأظنها من أنفع ما يمكن أن نأخذه منه: لا يجوز أن يكون جهلك بالآخر جزءًا من حجتك عليه.
ومن الملفت لي أن الإنصاف عند البيروني لم يكن شيء قريب بأن يُفهم كمجاملة بل كان شيئاً مُغلفًا بمعاني الجدية حيث يبدو انه كان يرى أن لا يوجد إنصاف بدون بذل الجهد والتعب فأن تتعلم لغة الآخر تعب. أن تقرأ كتبه تعب. أن تسأل علماءه تعب. أن تشرح قوله بأمانة ثم ترد عليه تعب. أن تميز بين العامة والخاصة في كل أمة تعب. لكنه تعب ضروري لانه مؤدي للعدل معه، ولأن بديل هذا التعب هو الظلم.
واللافت أيضاً أنه كان يدرك عوائق الفهم. كان يعرف أن الهنود قد ينفرون من المسلمين بسبب ما وقع بينهم من صراعات عسكرية، وأن اللغة حاجز، وأن التعصب حاجز، وأن كل أمة عادةً تميل إلى تعظيم ما عندها. لذا كان صفة الصبر لاصقة في هذا الفهم، وياله من صبر أن تصبر على تعبك وصعوبة فهمك لخصمك قبل أن تتحدث عنه.
وعلى الجانب الأخر لهذا درس مؤلم لنا اليوم. نحن نعيش في عالم صار الاختلاف فيه أسرع من الفهم. بل نكاد أن نرى مقطعًا قصيرًا عن جماعة أو مذهب أو علم أو تيار، فنظن أننا عرفناه. نقرأ منشورًا غاضبًا فنأخذ موقفًا. نسمع خصوم فكرة يتكلمون عنها فنظن أن هذا يكفي. ونرى المتصدرين في مجالات شتى لم ينصفون خصومه، وغير مستعدين للتعب والصبر لفهمهم. فأصبحت الفوضى والظلم شريكاً أساسياً لكل متصدر مع الأسف الشديد، إلا من رحم ربي.
اللغة أداة علمية
من الأمور الملفتة الى بُعد نظر البيروني عنايته باللغة والمصطلح. لم يكن متعدد اللغات من باب الوجاهة الثقافية أو للحصول على فرصة عمل في الخارج، أو للحصول على الايليتس مثلاً، بل لأن العلم نفسه يحتاج إلى ذلك ببساطة. فالأسماء إذا اضطربت اضطربت المعاني. والدواء إذا تعددت أسماؤه بين البلدان دون ضبط قد يختلط بغيره. والمفهوم الفلسفي إذا ترجم ترجمة ضعيفة تغير معناه. والنص الديني أو العلمي إذا قرئ من خارج لغته قد يُساء فهمه.
في كتابه “الصيدنة” يظهر هذا بوضوح. فالبيروني لا يتعامل مع أسماء العقاقير إلا كجزء من العلم. إذا لم تضبط الاسم، قد لا تعرف المادة التي تتكلم عنها أصلًا. وهذا يفسر أيضًا عنايته بالسنسكريتية في دراسة الهند. ويكشف سبب اختياره العربية غالبًا للكتابة العلمية لأنها كانت في عصره لغة العلم الأوسع في المجال الإسلامي، والأقدر على حمل المصطلحات المتداولة بين العلماء. كان لديه وعي بوظيفة اللغة في بناء الجماعة العلمية.
نستطيع أن نستخرج من هذا درسًا شديد الأهمية: لا علم بلا مصطلح قويم. كثير من التعلم عندنا يتعطل لأننا نقرأ كلمات ولا نعرف حدودها فقد نستخدم “المنهج”، “الفلسفة”، “العلم”، “النظرية”، “التجربة”، “الروح”، “العقل”، “التحليل”، “النظام”، وكأنها كلمات واضحة بذاتها. ثم نختلف، بينما الخلاف أحيانًا ليس في الفكرة بل في المصطلح.
ربما لو كان البيروني حيًا بيننا كان سيكره هذه الفوضى المعاصرة، لربما كان سيقول: ما اللفظ في لغته الأصلية؟ كيف يستخدمه أهله؟ هل له معنى عام ومعنى اصطلاحي؟ هل تغير عبر الزمن؟ هل ترجمته دقيقة؟ هل يوجد لفظ آخر قريب منه لكنه ليس هو؟
هذا العمل قد يبدو مملًا بالنسبة لنا، لكنه أساس. لأن العقل لا يستطيع أن يبني بناءً ثابتًا بألفاظ رخوة. ولهذا كانت موسوعية البيروني لابد أن تكون قائمة على دقة لغوية لا تقل عن دقته الرياضية والطبيعية والشرعية.
التصنيف والكتابة
هناك نوع من الناس يقرأ كثيرًا، ويعرف كثيرًا، لكنه لا يكتب. أو يكتب خواطر متفرقة لا تتحول إلى بناء. أما البيروني كان يصنف. والتصنيف يعني أنك فهمت العلاقات بين الأشياء: ما الأصل وما الفرع، ما الباب وما المسألة، ما المتفق وما المختلف، ما المحسوس وما المنقول، ما الرياضي وما التاريخي، ما اللغة وما الواقع.
كتبه الكبرى تدل على ذلك حيث حين يكتب عن أمة كاملة كالهند، فهو يقسم الموضوعات: اعتقادات، فلسفة، أدب، جغرافيا، تقويم، فلك، عادات، قوانين.
وهذه من النقاط المركزية في إنتاجه حيث لم يكن ينتظر أن تكتمل المعرفة في رأسه ثم يكتب. بل كان يكتب ليضبط المعرفة. حين تكتب تضطر أن ترتب، وحين ترتب تكتشف الفجوات، وحين تكتشف الفجوات تعود إلى السؤال.
وهذا من أكثر ما نحتاجه اليوم في واقعنا فنحن نستهلك كثيرًا من المعرفة، لكن قليلًا ما نصنفها. نقرأ كتابًا ثم نتركه في الذاكرة كبقايا: كان جميلًا، كان صعبًا، كان مفيدًا. لكن ماذا أخذنا؟ ما المسائل؟ ما التعاريف؟ ما الأدلة؟ ما الأسئلة المفتوحة؟ كيف يتصل بما قبله من كتب قرأتها؟ أين يُخالف ما معرفتي المسبقة؟
لا تترك ما تعلمته سائلاً. حوّله إلى بنية. اكتب فهرسًا، أو جدولًا، أو مقارنة، أو تعريفات، أو مسائل، أو ملاحظات خطأ، أو أسئلة تالية. العلم لا يصير ملكة بمجرد التعرض له، بل حين تعيد تنظيمه داخل عقلك. حوّلها الى كتابات بخط سيء لا يفهمها سواك وهذا أضعف الإيمان.
المنهج العملي للبيروني
لو حاولنا استخراج المنهج العملي الذي سار عليه البيروني، بعيدًا عن العموميات، يمكن أن نضعه في صورة خطوات متكررة تظهر من عمله سنحاول أن نعرضها كما يلي:
أولًا: يبدأ من سؤال محدد وليس من رغبة عامة.
فلا يقول: أريد أن أعرف الجغرافيا. بل يسأل: كيف نحدد نهايات الأماكن؟ كيف نصحح المسافات؟ كيف نعرف القبلة؟ كيف نحسب عرض مدينة؟ كيف نضبط تقويم أمة؟ والعلوم الشرعية في حياتنا كمسلمين من أهم المصادر التي نستخرج منها هذه الأسئلة التي نسير من خلالها.
ثانيًا: يجمع المادة من مصادر متعددة الأشكال.
كتب، روايات، مشاهدات، علماء، لغات، أرصاد، جداول. لا يكتفي بمصدر واحد إلا مضطرًا بما يتناسب مع الحالة.
ثالثًا: يقترب من الأصل إجمالاً.
إذا كان الموضوع هنديًا، تعلم السنسكريتية. إذا كان الموضوع دواءً، جمع أسماءه بلغات عدة. إذا كان الموضوع تاريخيًا، قارن التقاويم والروايات. إذا كان الموضوع فلكيًا، عاد إلى الرصد والحساب.
رابعًا: يُميز بين طبقات المعرفة وطبيعتها.
هناك خبر، وهناك قياس، وهناك رأي، وهناك عادة، وهناك عقيدة، وهناك تجربة، وهناك اصطلاح. الخلط بين دقائق المعرفة ما يسبب خلط جَمّ في واقعنا المعاصر.
خامسًا: يستعمل الأدوات بدقة.
يستخدم الرياضيات حيث يمكن استخدامها حين يكون الموضوع قابلًا للقياس: الفلك، الجغرافيا، الظلال، الكثافات، المسافات، الأزمنة. وكذلك النحو والمنطق في المسائل الفقهية، فعلوم الألة طيف واسع من الأدوات التي تحتاج الى أن تستعمل بدقة في الموضع الصحيح.
سادساً: يحول البحث إلى كتابة منظمة.
لا يترك المعرفة المتحصلة بل يصنفها لغيره وكأنه يرى أن العلم ليس امتلاكًا فرديًا، بل أمانة تنتقل. وهذه نظرة شرعية في المقام الأول.
الاقتداء والعبرة
كثيرون يظنون أن الإقتداء يعني نحاول أن نصير كما هم بمعني الحرفي للكلمة، وهذا أمر غير واقعي فلا أحد اليوم يستطيع أن يعيد إنتاج عالم القرن الخامس الهجري، ولا أن يجمع كل هذه العلوم بنفس الطريقة، على الأقل مع تغيير البيئات والأدوات.
لكن المقصد هو أن نتقدي بالمحركات والدوافع والأفكار التي أنتجت هذه السلوكيات والأفعال والعلوم لديه، فكما تفاعلت مع بيئته وحياته، علينا أن نمتلكها وتتفاعل بدورها مع بيئتا وحياتنا، لتنتج هى الأخرى، على الأقل حتى لا يقال علينا خلف كان أوهن من سلف، فأضعوه ما تركوه لهم.
ويمكن اختصار هذه المنهجية فيما يلي:
أولاً: لا تدخل علمًا وأنت مستعجل على صورته النهائية.
البيروني يعلمنا أن العلم يحتاج إلى أدواته: لغة، مصطلح، تاريخ، مسائل، أهل اختصاص. من يريد تعلم الكيمياء أو البرمجة أو الفلسفة أو الذكاء الاصطناعي أو علم الأديان، لا يبدأ بالسؤال: متى أصبح مميزًا؟ بل: ما مفاتيح هذا العلم؟ ما لغته؟ ما مسائله المؤسسة عليه؟ ما الكتب التي يرجع إليها أهله؟ ما الأخطاء الشائعة في فهمه؟ أين أتعلمه؟
ثانيًا: لا تجعل كثرة المصادر بديلًا عن المنهج.
نحن عندنا مصادر أكثر مما كان عند البيروني بملايين المرات، لكننا مع الأسف أقل صبرًا على التحقق والتجهز. هو كان يسافر ويتعلم لغة ويقارن مخطوطات، ونحن قد نعجز عن فتح مصدر أصلي لأن الملخص أسهل. المشكلة ليست في قلة المواد، بل في استعجال الثمرة وقلة الصبر، وعدم الامانة في التحقق.
ثالثًا: لا تتعامل مع المخالف كخصم قبل أن الفهم.
سواء كان المخالف دينيًا أو فكريًا أو علميًا أو اجتماعيًا، اسأل: هل أعرف قوله من مصدره؟ هل أستطيع أن أشرحه بطريقة يرضى عنها هو قبل أن أرد عليه؟ هل فرقت بين علمائه وعوامه؟ هل أعرف سبب حساسيته التاريخية؟ هذه داخله في شروط للعدل عليه أمام نفسه ونفسك وكل من سيرى خصومتك نحوه. والخصومة أمر تستحق البذل والتعب في الانصاف فيها.
رابعًا: اجعل الكتابة وسيلة للتعلم.
لا تحاول أن تجعل القراءة سلوكاً صامتًا. بل اكتب بعد كل باب تعريفات، أسئلة، اعتراضات، أمثلة، جدول مقارنة، خريطة مفاهيم. البيروني لم يكن فقط قارئًا عظيمًا، بل مصنفًا عظيمًا.
خامسًا: اجعل لك مركزًا.
البيروني تنوع في العلوم لأنه كان يملك مركزًا وهو التحقق من الواقع، ويقف على هذا المركز تحت مرجعية إسلامية تضبط له التصور والسلوك نحو هذا المركز. أما نحن فقد نتنوع لأننا نهرب من الملل. نقرأ قليلًا في كل شيء من باب الفضول المحض، لا لأن الأشياء متصلة بشيء ما، وقد لا نحتمل الاستمرار لربط تلك العلوم معاً. وهنا الفرق بين الموسوعية والهروب. فالأولى تتعدد الطرق والمسارات حول مركز. والثانية تتعدد الطرق والمسارات لأنك لا تريد الوصول.
سادسًا: تعلم أن تقول “لا أدري” بكثرة وبدون خجل.
في عالم تكاثرت فيه المعرفة حتى أصبحت مثل الموضة أو كمال الأجسام، يتم الاستعراض بها حتى يصبح الاعتراف بالجهل ثقيلًا على النفس. أما البيروني يذكرنا أن الجهل المُحدد أفضل من العلم المزيف أن تقول: لم أجد مصدرًا كافيًا. لا أستطيع الترجيح. هذه الروايات متعارضة. هذا القياس يحتمل خطأ. هذه الجملة ليست ضعفًا؛ هذه هي بداية القوة. وهذا من مبادىء البحث العلمي المعاصر، الذي لم يتلوث كثيراً بعد بما هو خارجه.
في النهاية
كلما قرأت عن أبي الريحان البيروني في كل مرة شعرت أني لا أقرأ عن عالم واحد اجتمعت فيه أوصاف عدة: فلكي، ورياضي، وجغرافي، ومؤرخ، ومقارن أديان، ومترجم، وصيدلي، وباحث في المعادن.
لم يكن بالنسبة لي السؤال الحقيقي كم علمًا عرف البيروني؟ بل: كيف استطاع أن يدخل كل هذه العلوم دون أن يتشتت؟ كيف لم تتحول موسوعيته إلى فوضى؟ وكيف أمكن لرجل عاش في القرن الرابع والخامس الهجريين، وسط اضطرابات سياسية وحروب وارتحال قسري، أن يترك لنا نموذجًا قريبًا جدًا كعقل علمي منهجي.
المدهش في البيروني ليس كثرة كتبه فقط، ولا تنوع موضوعاته، بل ذلك الخيط الصامت الذي يجمعها: إرادة التحقق. كأنه لم يكن يطيق أن تبقى المعرفة عنده في صورة حكاية سائبة، أو رأي موروث، أو تقليد محترم لمجرد أنه قديم. كان يريد أن يعرف أصل القول، ووجه الدليل، ومقدار القياس، وحدود الخطأ، وموقع الرأي من التجربة، وموقع الخبر من العقل.
كان عند البيروني إيمان عميق بأن العالم مفهوم، وأن الطريق إلى فهمه يمر عبر ثلاثة أبواب: القياس، واللغة، والإنصاف. القياس حتى لا نترك الطبيعة للظن. واللغة حتى لا نأخذ علوم الأمم من أفواه خصومهم أو من ترجمات مشوهة. والإنصاف حتى لا يتحول الاختلاف إلى حجة لعدم البذل، فنرفض ما لا نعرفه بدل أن نتعب في فهمه.
قد يكون البيروني بعيدًا عنا بألف عام تقريبًا، لكنه قريب جدًا من أزمتنا. نحن نعيش زمن كثرة المعلومات وقلة التحقق، كثرة الكلام وقلة التصنيف، كثرة الاختلاف وقلة الإنصاف، كثرة المصادر وقلة الصبر على الأصل.
ولهذا تبدو قراءة البيروني ليست عودة إلى الماضي والى احد مناهج التراثية من سلفنا في رؤية العلوم، بل محاولة لعلاج شكل من فوضى العقل المعاصر وبعض من اشكالياته.
كأن الرجل يقول لنا من بعيد: ليست المشكلة أن تعرف كثيرًا، بل أن تعرف كيف تعرف. ليست المهم أن تُدخل علومًا كثيرة، بل أن تحمل معك منهجًا يمنعك من الضياع عند دخولها، أن تمتلك البوصلة، ونحن كمسملين نمتلكها في الوحي.
ليست الإنصاف أن توافق المخالف، بل أن تفهمه قبل أن تخالفه. وليست الدقة أن تملك أرقامًا، بل أن تعرف كيف جاءت الأرقام وما حدودها.
لذلك أبو الريحان البيروني لم يكن مجرد عالم موسوعي فحسب. بل نموذجًا لإنسان جعل المعرفة حاجة عقلية وأخلاقية، إن صح التعبير: يتحقق لأنه يحترم الحقيقة، ويتعلم اللغة لأنه يحترم المعنى، ويقيس لأنه يحترم الواقع، ويصنف لأنه يحترم من سيأتي بعده وينصف المخالف لأنه يٌحترم الإنسان والعدل معه، وكما قال الزمخشري: “الانسان بناء الله لعن الله من هدمه”.
وهذا ربما هو السر الكامن كله: أنه لم يكن يريد أن ينتصر لنفسه داخل العلم، بل أن ينتصر العلم داخله. لم يكن العلم عنده زينة شخصية، ولا وسيلة للوجاهة، ولا مجرد تراكم محفوظات، بل طريقة في الوجود. أن تعيش وأنت تسأل، وتقيس، وتفهم، وتراجع، وتنصف، وتكتب، ثم تترك لمن بعدك طريقًا أوضح مما وجدته.
المصادر والمراجع
- أبو الريحان البيروني، “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”.
- يمنى طريف الخولي، “المنهج العلمي عند العالم النابغة أبي الريحان البيروني”، ضمن كتاب “بحوث في تاريخ العلوم عند العرب”.
- Encyclopaedia Iranica، مواد: حياة البيروني، الرياضيات والفلك، الجغرافيا، التاريخ والكرونولوجيا، تاريخ الأديان، الهنديات.
- MacTutor History of Mathematics، سيرة أبي الريحان البيروني.
- Edward C. Sachau، ترجمات “Alberuni’s India” و“The Chronology of Ancient Nations”.