أريد، قبل أن أبدأ هذه المحاضرة، أن أتوقف قليلًا عند عنوانها: تشومسكي وفلسفة علم اللغة.

يناقش هذا المقال فلسفة علم اللغة عند تشومسكي وصلتها بالعقل والطبيعة والمنهج العلمي. ويمكن توسيع السياق بقراءة مقال أهمية اللغة العربية في حياة المسلم، والرجوع إلى موقع نعوم تشومسكي للاطلاع على أعماله وحواراته.

أما تشومسكي فغنيّ عن التعريف؛ يعرفه كثيرون باحثًا موسوعيًا في الشؤون السياسية، وناقدًا لاذعًا للسياسة الخارجية الأمريكية، ومدافعًا صلبًا عن المستضعفين في بقاع الأرض كافة. وهو كذلك معروف في الأوساط العلمية بوصفه أحد أبرز المنظّرين في اللسانيات، بل إن الثورة الفكرية التي أحدثها في علم اللغة خاصة، وفي علوم الإدراك عامة، ما زالت آثارها ظاهرة منذ صدور كتابه الأول سنة 1957 إلى يومنا هذا.

لكن تشومسكي أكثر من مجرد ناقد سياسي أو عالم لغوي؛ هو في حقيقة الأمر فيلسوف، بالمعنى العميق لهذه الكلمة. وغاية هذه المحاضرة أن نسلّط الضوء على الجانب الفلسفي من شخصية تشومسكي.

ونبقى قليلًا عند العنوان لنتحدث عن عبارة فلسفة علم اللغة. ونعني بها فلسفة العلم التي يكون موضوعها اللغة؛ كما أن فلسفة الفيزياء هي فلسفة العلم التي يكون موضوعها الفيزياء، وفلسفة الأحياء هي فلسفة العلم التي يكون موضوعها علم الأحياء.

فحين نطرح أسئلة في فلسفة علم اللغة، نكون مضطرين في الغالب إلى اتخاذ موقف من فلسفة العلم عمومًا. فمثلًا: إذا سألنا: هل دراسة اللغة علم من العلوم؟ فهذا سؤال مطروح في فلسفة علم اللغة، لكنه يقتضي أولًا أن نعرف: ما العلم أصلًا؟ وكذلك إذا سألنا: هل تقدّم النظرية اللغوية تفسيرًا للظواهر اللغوية؟ فنحن مضطرون قبل ذلك إلى أن نسأل: ما التفسير العلمي؟ وهذه كلها أسئلة مطروحة في فلسفة العلم عامة.

محتويات المقال

موضوع المحاضرة وخطتها

سأبدأ بسؤالين جوهريين في فلسفة علم اللغة، ثم أحاول أن أتعرف إلى الإجابة التشومسكية عنهما.

وكعادة تشومسكي، لا يمكن فهم إجابته بسهولة من الوهلة الأولى، لأنه كاتب موسوعي، وإجاباته مبنية على خلفيات فلسفية وعلمية واسعة. لذلك سنحتاج إلى التوقف عند بعض المسائل الضرورية لفهم موقفه، وهي في هذه المحاضرة مسائل بسيطة نسبيًا، تتعلق بما يلي:

  1. مشكلة ديكارت الشهيرة.
  2. مشكلة العلاقة بين العقل والجسد.
  3. فلسفة ديكارت الميكانيكية في تفسير الكون.
  4. جذور هذه الفلسفة في النظرية الذرية عند الإغريق.

بعد ذلك نعود إلى إجابة تشومسكي عن السؤالين الجوهريين في فلسفة علم اللغة.

السؤالان الجوهريان في فلسفة علم اللغة

أولًا: السؤال الأنطولوجي

السؤال الأول سؤال أنطولوجي. والأنطولوجيا، كما نعرف، فرع من فروع الفلسفة يهتم بعالم الموجودات؛ أي بما هو موجود.

والسؤال هنا هو: إلى أي عالم من عوالم الوجود ينتمي موضوع البحث، أي اللغة؟

هل اللغة كينونة أفلاطونية تنتمي إلى عالم مجرد؟ أم هي اختراع بشري؟ أم أنها ظاهرة طبيعية تنتمي إلى العالم الطبيعي؟

ثانيًا: السؤال الإبستمولوجي

السؤال الثاني سؤال إبستمولوجي. والإبستمولوجيا فرع من فروع الفلسفة يهتم بطبيعة المعرفة، وبالأحرى بتبرير صحة هذه المعرفة.

وهذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في فلسفة علم اللغة؛ لأن اللغة تنطوي على ما هو فيزيائي وما هو غير فيزيائي في الوقت نفسه. فهي تتضمن جهازًا فيزيولوجيًا للنطق، وموجات صوتية تخرج أثناء الكلام، وهذه كلها ظواهر فيزيائية. لكنها في الوقت ذاته ليست مجرد صوت؛ فاللغة تنطوي على معنى، والمعنى ليس ظاهرة فيزيائية مباشرة.

ولهذا تبدو اللغة وكأنها مزيج بين ما هو فيزيائي وما هو غير فيزيائي. وربما كان هذا هو ما يجعل دراستها أصعب من دراسة كينونة فيزيائية خالصة.

العلاقة بين السؤالين

السؤالان مرتبطان ارتباطًا واضحًا؛ فإجابتك عن السؤال الأول تحدد طبيعة إجابتك عن السؤال الثاني.

فإذا قلت إن اللغة تنتمي إلى عالم أفلاطوني مجرد، فإن تبرير صحة نظريتك اللغوية لا يحتاج إلى دليل مادي مباشر، لأنها ستكون أقرب إلى الرياضيات والمنطق، وهي علوم يقينية تعتمد على البرهان لا على التجربة المادية.

أما إذا قلت إن اللغة تنتمي إلى عالم الطبيعة، فإن تبرير نظريتك اللغوية يجب أن يكون منسجمًا مع هذه الإجابة، أي أنك تحتاج إلى دليل طبيعي أو تجريبي.

إجابة تشومسكي عن هذين السؤالين تشكّل جانبًا مهمًا من فلسفته لعلم اللغة. وهي إجابة ترتكز على قراءة خاصة لمشكلة ديكارت المتعلقة بالعلاقة بين العقل والجسد، أو ما يسميه بعض الباحثين بالثنائية بين العقل والجسد.

مشكلة العقل والجسد عند ديكارت

يمكن صياغة مشكلة العقل والجسد في سؤال بسيط: كيف يمكن لشيئين مختلفين تمامًا، مثل العقل والجسد، أن يؤثر أحدهما في الآخر؟

هذا سؤال ديكارتي بامتياز، لا لأن ديكارت وحده طرحه، بل لأنه يعتمد على افتراضين أساسيين في فلسفة ديكارت. فإذا سلّمنا بصحة هذين الافتراضين نتجت مشكلة العقل والجسد.

الافتراض الأول: اختلاف جوهري بين العقل والجسد

يفترض ديكارت وجود اختلاف جوهري بين العقل والجسد، أو بين الذهن والجسم، أو بين الروح والمادة. ولضرورات هذه المحاضرة لن نفرق تفريقًا دقيقًا بين العقل والذهن والروح، ولا بين الجسد والجسم والمادة، بل سنستعمل مصطلح العقل استعمالًا عامًا، ومصطلح الجسد أو المادة استعمالًا عامًا.

في كتابه التأملات، يميز ديكارت بين العقل والجسد. فالعقل عنده جوهر مفكر؛ هو ذات مفكرة واعية. هذه هي الصفة الجوهرية للعقل.

أما المادة فصفتها الأساسية هي الامتداد في المكان؛ أي أنها تشغل حيزًا ولها أبعاد. هذه هي الصفة الجوهرية للمادة عند ديكارت.

ويضرب ديكارت مثالًا مشهورًا بشمعة العسل. فإذا أخذنا شمعة عسل وتأملناها وجدنا لها رائحة وطعمًا وشكلًا معينًا، لكن إذا قربناها من النار زالت هذه الصفات الثانوية، وبقيت الصفة الأصلية: الامتداد في المكان.

الافتراض الثاني: السببية تكون بالتلامس أو التصادم

الافتراض الثاني عند ديكارت أن التأثير المتبادل بين الأجسام الفيزيائية يكون تأثيرًا مباشرًا، عن طريق التلامس أو التصادم. فلا يوجد، في تصوره، تأثير عن بعد.

وكان لديکارت هدف من هذا الافتراض؛ فقد أراد أن يزيل عالم الأشباح والتأثيرات الغيبية عن تفسير الظواهر الطبيعية، وأن يجعل التفسير تفسيرًا طبيعيًا قائمًا على التلامس والتصادم.

ظهور المشكلة

إذا قبلنا بهذين الافتراضين، ظهرت مشكلة العقل والجسد. فالعقل ليس له امتداد في المكان، ومن ثم لا يستطيع، بحسب تصور ديكارت، أن يؤثر في جسم فيزيائي. والسؤال إذن: كيف يؤثر العقل في الجسد؟ وكيف يؤثر الجسد في العقل؟

ومع ذلك، نحن نعرف من خبرتنا اليومية أن هذا التأثير موجود. فمجرد أن أفكر في رفع يدي، ترتفع يدي. الفكرة العقلية دفعت الجسد إلى الحركة. والعكس صحيح أيضًا؛ فوخزة إبرة مثلًا، وهي أمر فيزيائي، تولّد شعورًا بالألم، وهو ظاهرة عقلية.

إذن التفاعل قائم من الطرفين، لكن تفسيره صعب في إطار التصور الديكارتي؛ لأن العقل ليس ممتدًا في المكان، ولا ينتمي إلى العالم الفيزيائي كما تنتمي إليه المادة.

فلسفة ديكارت الميكانيكية

لفهم السبب الذي دفع ديكارت إلى قصر السببية على التلامس والتصادم، يجب أن نتعرف إلى فلسفته الميكانيكية أو الآلية.

الفلسفة الميكانيكية هي فلسفة في طبيعة الكون، ترى الكون كآلة ضخمة تتحرك فيها الأجزاء كما تتحرك التروس في الآلة. تتدافع الأجسام والذرات بعضها مع بعض، ومن هذا التدافع تتجسد الظواهر الطبيعية.

كان ديكارت أحد أقطاب الفلسفة الميكانيكية في القرن السابع عشر. ولكي نفهم جذور هذه الفلسفة، علينا أن نعود إلى النظرية الذرية عند الإغريق.

الجذور الإغريقية: النظرية الذرية

من أبرز من روّج للنظرية الذرية عند الإغريق أبيقور، متأثرًا بديموقريطس. والفكرة الأساسية عند أبيقور أن الكون عبارة عن ذرات تتصادم في الفراغ، وأن الأجسام التي نراها حولنا ليست إلا تجمعات من الذرات.

وكان لأبيقور هدف أخلاقي من هذه النظرية. فقد كان يعيش في بيئة تخشى الآلهة والموت وما بعد الموت، فأراد بنظريته المادية أن يخلص الناس من القلق. فإذا كان كل شيء ذرات، وإذا كانت الروح لا تبقى بعد زوال الجسد، فلماذا الخوف من الموت؟

ديكارت أيضًا كان له هدف أخلاقي وعلمي في طرح فلسفته الميكانيكية، وهو إزالة عالم الأشباح والتأثير عن بعد، وتفسير الظواهر الطبيعية بطريقة علمية لا ميتافيزيقية.

وكان لديکارت هدف آخر في كتابه مبادئ الفلسفة، وهو استبدال فلسفة أرسطو التي كانت سائدة بفلسفة أكثر علمية في نظره.

ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة لم تتسامح مع أبيقور، كما لم تتسامح مع ديكارت لاحقًا. فأعمال أبيقور لم تصل إلينا كاملة، وإنما وصلتنا عبر وسائط، مثل لوكريتيوس. أما ديكارت، فقد مُنع كتابه مبادئ الفلسفة من التداول بعد وفاته بسنوات.

ديكارت والفراغ

تأثر ديكارت بالنظرية الذرية، مثل غيره من فلاسفة عصره، لكنه خالف أبيقور في مسألة مهمة: فهو لم يكن يؤمن بوجود الفراغ.

كان ديكارت يعتقد أن الفراغ نفسه مادة؛ فما إن تتحرك ذرة حتى تحل محلها ذرة أخرى. المادة، عنده، تملأ الكون كله. ومن هنا كان يرى أنك لا تستطيع أن تتخيل جسمًا فيزيائيًا من دون أن تتخيل معه امتدادًا مكانيًا.

يضرب ديكارت مثالًا بالجبل والوادي: لا يمكنك أن تتخيل جبلًا من دون وادٍ؛ وكذلك لا يمكنك أن تتخيل مادة من دون امتداد.

هذه المساواة الديكارتية بين الفراغ والمادة استبعدت العقل كليًا من العالم المادي؛ لأن العقل، كما ذكرنا، ليس له امتداد ثلاثي الأبعاد في المكان. ومن هنا نشأت مشكلة العقل والجسد.

حل ديكارت: الغدة الصنوبرية

حاول ديكارت أن يقدم حلًا لمشكلة العلاقة بين العقل والجسد، واقترح أن موضع التفاعل بينهما هو الغدة الصنوبرية. وقد اختارها لأنها تقع في أعماق الدماغ وبين الفصين.

لكن هذا الحل لا يجيب حقيقة عن السؤال؛ فهو يحدد مكان التفاعل ولا يفسر كيفية حدوثه. أي أنه يقول أين يحدث التفاعل، لكنه لا يقول كيف يحدث.

وقد حاول فلاسفة آخرون تقديم إجابات بديلة، ومنهم لايبنتز بنظرية التناغم السابق، وبعض الفلاسفة المدرسيين الذين أرجعوا التفاعل بين العقل والجسد إلى الرب. لكن هذه الإجابات تقفز على السؤال العلمي بدل أن تحله، لأنها تشبه ما كان يسمى في المسرح الإغريقي: الإله من الآلة؛ أي الحل السحري الذي ينزل من خارج الحبكة ليحل المشكلة.

والحل الذي يحل كل شيء ليس حلًا علميًا؛ كما أن النظرية التي تدّعي تفسير كل شيء ليست نظرية علمية بالمعنى الدقيق.

ولهذا بقيت مشكلة العلاقة بين العقل والجسد قائمة.

قراءة تشومسكي لمشكلة ديكارت

نصل الآن إلى قراءة تشومسكي لمشكلة ديكارت.

يرى تشومسكي أن ثنائية العقل والجسد كانت مشكلة حقيقية قبل ظهور نيوتن. لكن بعد أن جاء نيوتن بمفهوم الجاذبية، وبما يتضمنه هذا المفهوم من تأثير عن بعد، أصبح المفهوم الديكارتي للجسد متهافتًا. ومن ثم أصبحت ثنائية العقل والجسد مشكلة لا يمكن صياغتها بطريقة متسقة.

بعبارة أخرى: يقول تشومسكي إن مشكلة العقل والجسد لم تعد مشكلة حقيقية، لأن مفهوم المادة نفسه قد انهار. فإذا كان أحد طرفي العلاقة، وهو الجسد أو المادة، لم يعد مفهومًا متماسكًا كما كان عند ديكارت، فإن المشكلة بين الطرفين لم تعد قائمة بالطريقة نفسها.

نيوتن جاء بمفهوم التأثير عن بعد. فالجاذبية تتضمن تجاذب الكواكب بعضها مع بعض عن بعد؛ وهذا يتعارض مع التصور الديكارتي الذي يجعل التأثير قائمًا فقط على التلامس والتصادم.

ومن هنا يرى تشومسكي أن مفهوم المادة أصبح متهافتًا، وأن مشكلة العقل والجسد كما صيغت في الإطار الديكارتي فقدت أساسها.

وهذا ادعاء كبير، كأنه يقول إن العقول التي جاءت بعد ديكارت، من كانط وهيوم وبوبر وغيرهم، حين عالجت مشكلة العلاقة بين العقل والجسد، كانت تضيع وقتها. وهذه صدمة فعلًا في مجال البحث الفلسفي.

ويعبّر تشومسكي عن ذلك بعبارة شهيرة: نيوتن حطّم الآلة، والشبح ما زال هائمًا. وهذه إحالة إلى كتاب جيلبرت رايل مفهوم العقل، حيث سخر رايل من ثنائية ديكارت ووصفها بعبارة: الشبح في الآلة.

كأن تشومسكي يرد على رايل قائلًا: لقد حطم نيوتن الآلة، لكن الشبح ما زال موجودًا؛ أي إن مفهوم المادة لم يعد أوضح من مفهوم العقل، ومن ثم لا يصح أن نعدّ العلوم الفيزيائية أرقى من العلوم التي تدرس العقل واللغة.

المذهب الطبيعي عند تشومسكي

إذا كان مفهوم المادة غير متسق أو مبهمًا بعد نيوتن، فلا ينبغي أن نضع حاجزًا ميتافيزيقيًا بين العقل والمادة. كلاهما عند تشومسكي مظهران من مظاهر الطبيعة.

ومن هنا يتبنى تشومسكي المذهب الطبيعي من حيث الجوهر والمنهج.

من حيث الجوهر

يرى تشومسكي أن خواص الظواهر العقلية لا تختلف من حيث المبدأ عن الظواهر الطبيعية الأخرى، كالكهرباء والكيمياء. فالظواهر العقلية جزء من الطبيعة.

ومن هنا يأتي تفاؤله بإمكانية توحيد العلوم: علوم الدماغ، وعلوم العقل، واللسانيات، وغيرها من علوم الإدراك. فقد قال تشومسكي أكثر من مرة إن دراسة الدماغ قد تعيننا على فهم اللغة، وإن دراسة اللغة قد تعيننا أيضًا على فهم الدماغ.

من حيث المنهج

يرى تشومسكي كذلك أن دراسة الوظائف العقلية لا تختلف من حيث المنهج عن دراسة أي موضوع طبيعي آخر. فمنهجنا في دراسة اللغة لا يختلف في جوهره عن منهج الفيزيائي في دراسة الذرات أو الظواهر الطبيعية.

ولهذا يرفض تشومسكي من يقولون إن علم اللغة ليس علمًا طبيعيًا، ويعدّ هذا نوعًا من التحرش بالعلوم الجديدة؛ أي محاولة لحصر العلم في نموذج ضيق واحتكار صفة العلمية.

أسلوب غاليليو عند تشومسكي

يرتبط موقف تشومسكي بما يسميه أسلوب غاليليو.

يرى تشومسكي أن غاليليو لم يكن يتقيد بقواعد تجريبية صارمة كما يتصور بعضهم. فعندما كان ينظر من خلال منظاره إلى أقمار المشتري، لم تكن الرؤية التجريبية واضحة تمامًا؛ وربما كان من ينظر عبر منظاره لا يرى إلا ضبابًا. ومع ذلك، تمسّك غاليليو بالنظرية التي تقول إن هناك أقمارًا تدور حول المشتري، بما يعني أن الأرض ليست مركز الكون.

كان غاليليو، في هذه القراءة، يعطي الأولوية للنظرية على معطيات التجربة المباشرة. وكان يقف إلى جانب النظرية لأنها أكثر قوة وتماسكًا، لا لأنها مدعومة في كل لحظة بتجربة حسية مباشرة.

هذه القراءة لتجربة غاليليو أخذها تشومسكي من بعض فلاسفة العلم والفيزيائيين، ومنهم ستيفن واينبرغ، الذي تحدث عن أسلوب غاليليو.

ومن هنا يمكن أن نفهم إجابة تشومسكي عن السؤالين اللذين طرحناهما في البداية.

إجابة تشومسكي عن السؤال الأنطولوجي

السؤال الأول كان: إلى أي عالم من عوالم الوجود تنتمي اللغة؟

إجابة تشومسكي واضحة: اللغة تنتمي إلى عالم الطبيعة. فهي كينونة طبيعية، وجزء من التركيب الجيني للإنسان.

ويستدل تشومسكي على ذلك بأدلة متعددة، منها ما يتعلق بالجينات، ومنها ما يتعلق بخصوصية اللغة عند النوع البشري. فالطفل يتعلم اللغة بين سنة ونصف تقريبًا وأربع سنوات، وهي قدرة شديدة التعقيد. بينما القطة التي تعيش مع الطفل في البيت لا تتعلم اللغة أبدًا مهما طالت المدة.

والسؤال هنا: لماذا يتعلم الطفل اللغة ولا تتعلمها القطة؟

يرى تشومسكي أن السر يكمن في الاختلاف الجيني بين الفصيلة البشرية والفصائل الأخرى. فاللغة، في نظره، جزء من الطبيعة البشرية.

إجابة تشومسكي عن السؤال الإبستمولوجي

السؤال الثاني كان: كيف يمكن تبرير صحة النظرية اللغوية؟

ما دام تشومسكي يرى أن اللغة تنتمي إلى عالم الطبيعة، فمن المتوقع أن يطلب دليلًا ماديًا أو تجريبيًا. لكنه هنا يستدعي أسلوب غاليليو، بمعنى أنه لا يجعل المعطيات التجريبية المباشرة دائمًا صاحبة الأولوية المطلقة على النظرية.

والسبب في ذلك أن دراسة اللغة صعبة. فاللغة لا تشبه الإلكترون أو الجسم الفيزيائي البسيط؛ إنها تجمع بين ما هو فيزيائي وما هو غير فيزيائي. ثم إن دراسة الإنسان محكومة بقيود أخلاقية؛ لا تستطيع أن تفتح دماغ الإنسان وتبحث فيه كما تبحث في جسم مادي آخر.

إذن صعوبة دراسة اللغة لا تعني أن علماء اللغة أقل ذكاء من علماء الفيزياء، بل إن موضوع البحث نفسه أكثر تعقيدًا.

ملاحظات نقدية على موقف تشومسكي

الملاحظة الأولى: مفهوم ديكارت للمادة لم يكن المفهوم الوحيد

الملاحظة الأولى أن المفهوم الديكارتي للمادة لم يكن المفهوم الوحيد. لذلك، حين يقول تشومسكي إن مشكلة العلاقة بين العقل والجسد أصبحت مشكلة وهمية لأن المفهوم الديكارتي للمادة تحطم، فهذا الكلام يحتاج إلى مراجعة.

فمثلًا، كان لنيوتن نفسه مفهوم للمادة يختلف عن مفهوم ديكارت. نيوتن لم يكن يؤمن بالامتداد وحده بوصفه أصل المادة، بل كان يؤمن بوجود الفراغ، في حين أن ديكارت لم يكن يؤمن بالفراغ ويرى أنه مادة.

ثم إن نيوتن لم يكن متعارضًا مع مفهوم ديكارت للمادة بقدر ما كان متعارضًا مع مفهومه للسببية. فالمشكلة عند نيوتن كانت في فكرة التأثير عن قرب فقط، لا في مفهوم المادة كله.

ولهذا يمكن القول إن مشكلة العلاقة بين العقل والجسد تبقى قائمة حتى لو كان مفهوم ديكارت للمادة متهافتًا.

الملاحظة الثانية: قراءة تشومسكي لغاليليو قراءة خاصة

الملاحظة الثانية أن دعوى تشومسكي تعتمد على قراءة خاصة لغاليليو. فكثير من الباحثين يستدعون غاليليو لدعم تصورات مختلفة عن العلم.

بعضهم يصوره عقلانيًا، وبعضهم يصوره تجريبيًا، وبعضهم يصوره فوضويًا، وبعضهم يصفه بأنه لا يزال أرسطيًا في جوانب معينة. وكأن كل اتجاه يريد أن يكتسب شرعية بأن يقول: غاليليو كان مثلنا.

تشومسكي تأثر، فيما يبدو، بصورة غاليليو الفوضوي أو الأناركي؛ أي الباحث الذي لا يتقيد بقواعد صارمة، بل يعطي النظرية أولوية على التجربة حين تكون النظرية أقوى وأكثر خصوبة.

وقد تأثر في ذلك بكتابات بعض فلاسفة العلم، وعلى رأسهم بول فايرابند، الذي كان يرى أن العلم لا يتقدم دائمًا باتباع قواعد منهجية صارمة.

الملاحظة الثالثة: العلاقة بين موقف تشومسكي السياسي وموقفه من المنهج العلمي

هنا تظهر ملاحظة مهمة: تشومسكي في السياسة معروف بانتمائه إلى المدرسة الأناركية النقابية. وقد تأثر بأفكار باكونين وبكتابات رودولف روكر، بل قدّم لبعض أعماله.

والأناركي، كما ينقل تشومسكي عن روكر، يرفض التصورات المطلقة والسلطات المطلقة.

يمكن إذن أن نرى نوعًا من الاتساق بين موقفه السياسي وموقفه العلمي. فهو في السياسة يرفض السلطة المطلقة، وفي المنهج العلمي يتأثر بصورة غاليليو الذي لا يخضع لقواعد صارمة مفروضة مسبقًا.

الملاحظة الرابعة: هل وقع تشومسكي في تناقض؟

من الصعب جدًا أن تجد تشومسكي متناقضًا؛ فهو مفكر شديد الاتساق في الغالب. لكن ربما يمكن العثور على موضع يلوح فيه شيء من التوتر.

في بعض نصوصه المتأخرة، ينتقد تشومسكي مفهوم كارل بوبر عن التكذيب، وكأنه يقول إن البحث العلمي لا يعمل بهذه الصورة البسيطة: أن يبحث الباحث عن دليل ينقض نظريته، فإذا وجده تخلى عنها فورًا.

لكن في مناظرته الشهيرة مع جان بياجيه في باريس سنة 1975، والتي نشرت لاحقًا، قال تشومسكي كلامًا يمكن أن يُفهم على أنه قريب من موقف بوبر. فقد قال إننا عندما ننفي صحة نظرية ما، فإن هذا يعني أننا أبدينا ملاحظة إيجابية في حقها؛ لأنها صيغت بوضوح يكفي لاختبار صحتها أو خطئها. أما النظريات التي لا تسمح لنا باختبارها فلا تتمتع بهذه المزية.

هذا الكلام يبدو أقرب إلى فكرة بوبر عن قابلية النظرية للتكذيب، في حين أن تشومسكي في مواضع أخرى ينتقد هذه الفكرة. ومن هنا قد يبدو في موقفه شيء من التوتر.

كارل بوبر ومفهوم التكذيب

من المفيد هنا أن نتوقف قليلًا عند بوبر. كان بوبر يرى أن الحد الفاصل بين العلم واللاعلم هو قابلية التكذيب. أي أن النظرية العلمية يجب أن تسمح من حيث المبدأ بأن نخطئها.

فالنظرية التي لا تسمح بتخطئتها ليست نظرية علمية.

وكان بوبر ينتقد الوضعيين الذين ظنوا أن صحة النظرية تثبت بتراكم الأدلة المؤيدة لها. فمهما كثرت الأدلة المؤيدة، لن تصل النظرية التجريبية إلى يقين مطلق. أما النظرية العلمية الحقيقية فيجب أن تعرض نفسها لخطر التكذيب.

وكان بوبر يستشهد بأينشتاين، الذي كان يقول إن العثور على دليل يناقض نظرية النسبية كفيل بأن يجعلها رمادًا منسيًا. هذه في نظر بوبر أخلاقية البحث العلمي: أن تبحث عن الدليل الذي قد يخطئك، لا أن تبحث فقط عما يؤيدك.

الاستنتاجات العامة

أولًا: أهمية فلسفة العلم في مجتمعاتنا العربية

فلسفة العلم ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورية لمجتمعاتنا العربية. فهي لا تبين فقط علاقة العلوم بعضها ببعض، بل تكشف لنا أيضًا عن تماسك الفكر أو اضطرابه.

ومع الأسف، تعيش فلسفة العلم حالة كساد في مجتمعاتنا، وهذا الكساد يسمح برواج الخرافة والتصديق الساذج. وليس هذا هو السبب الوحيد في ذلك، لكنه سبب رئيس من الأسباب التي تعكس واقعنا المعرفي.

ثانيًا: أهمية الاتساق في الموقف الفكري

تشومسكي، سواء اختلفنا معه أو اتفقنا، يعلّمنا أهمية الاتساق الفكري. فهو لا يتخذ موقفًا جزافيًا، بل يستمد مواقفه من مبادئ عليا يؤمن بها.

وجدنا الأناركية خلف موقفه السياسي، ووجدنا أثرها أيضًا في نظرته إلى المنهج العلمي وقراءته لغاليليو. وهذا يبيّن أن المفكر ينبغي أن يكون متسقًا مع ذاته، لا أن يحسب مواقفه بمنطق الربح والخسارة أو المصالح الظرفية.

ثالثًا: مشكلة العقل والجسد ما تزال قائمة

أما الاستنتاج الأخير فيتعلق بمشكلة العلاقة بين العقل والجسد. هذه المشكلة، رغم عظمة العقول التي خاضت فيها، لا تزال قائمة.

وإذا كان تشومسكي يفرق بين المشكلة الصعبة التي ربما يمكن حلها، وبين اللغز الذي لا يمكن حله، فربما تكون ماهية العلاقة بين العقل والمادة لغزًا لن نستطيع حله أبدًا.

بعبارة أخرى: هناك حدود لفهم ذواتنا.

لكن هذا لا ينبغي أن يقودنا إلى الإحباط، بل إلى الجانب المشرق من هذا الاستنتاج، وهو التواضع المعرفي. فإذا كنا نجهل ذواتنا، فلا ينبغي أن نطلق الأحكام القاطعة على ذوات الآخرين.

خاتمة

تظهر فلسفة تشومسكي لعلم اللغة بوصفها محاولة للدفاع عن علمية دراسة اللغة، لا من خلال جعلها شبيهة بالفيزياء بصورة سطحية، بل من خلال القول إن اللغة جزء من الطبيعة، وإن العقل نفسه ليس خارج الطبيعة. غير أن هذا الدفاع يرتبط بقراءة مخصوصة لتاريخ العلم، ولا سيما لديكارت ونيوتن وغاليليو، وهي قراءة تحتاج إلى نقد ومراجعة.

ومع ذلك تبقى قيمة تشومسكي في أنه يدفعنا إلى التفكير في أسئلة كبرى: ما اللغة؟ أين تقع من عالم الوجود؟ كيف نعرفها؟ وما حدود العلم في فهم العقل والإنسان؟

هذه الأسئلة، أكثر من الأجوبة الجاهزة، هي ما يجعل فلسفة علم اللغة مجالًا حيًا ومفتوحًا للبحث.

المراجع

تم تنسيق وترتيب المقال بالذكاء الإصطناعي: ChatGPT 5.6

رابط المحاضرة الأصلية: محاضرة تشومسكي وفلسفة علم اللغة لـ( د. فهد راشد المطيري )