ليست اللغة العربية مادة دراسية تنتهي علاقتها بنا بانتهاء الحصة، ولا وسيلة محايدة نضعها جانبًا بعد أن نستخدمها في الكلام والكتابة. هي أقرب إلى البيت الذي تتشكل داخله ذاكرتنا، وإلى الطريق الذي نعبر به إلى الدين والتاريخ والمعرفة، ولذلك فإن السؤال عن أثر اللغة العربية ليس سؤالًا عن ألفاظ قديمة، بل عن الإنسان الذي تصنعه هذه الألفاظ.
ومن هنا تبدو أهمية اللغة العربية في حياتنا أوسع من قدرتنا على نطقها أو الكتابة بها. فاللغة تحفظ ما نعرفه، وتحدد كيف نراه، وتمنحنا القدرة على تسمية الأشياء ومناقشتها، ولذلك فإن تراجعها لا يعني ضياع بعض الكلمات فحسب، بل قد يعني ضياع أجزاء من الذاكرة والوعي. ويمكن قراءة أهمية اللغة العربية في حياة المسلم، وكذلك لماذا نقرأ وكيف نقرأ؟، ويمكن التعرّف إلى اليوم العالمي للغة العربية، لفهم الصلة بين اللغة والقراءة وتكوين الوعي.
اللغة العربية: هوية وذاكرة لا أداة تواصل فقط
حين نقول إن اللغة هوية، لا نعني شعارًا عاطفيًا يقال في المناسبات، بل نعني أن الإنسان يتلقى العالم من خلال أسماء ومعانٍ وعلاقات لغوية تتراكم فيه منذ طفولته. وهذا ما يجعل اللغة جزءًا من تكوينه لا شيئًا خارجيًا عنه. قد يتعلم الإنسان لغة أخرى ويستفيد منها، لكن اللغة الأولى تظل مرتبطة بأولى صوره عن البيت والدين والناس والعدل والخوف والنجاح.
ولهذا بقيت العربية مرتبطة في وجدان المسلمين بالقرآن والعبادة، وبقيت في الذاكرة العربية وعاءً للشعر والتاريخ والعلوم. وقد عبّر محمود درويش عن هذا المعنى في قوله:
أنا لغتي.
أنا من لغتي ولدت،
هذه لغتي ومعجزتي،
وهويتي الأولى،
ومعدني الثقيل.
ولست أستشهد بهذا المقطع لأحوّل اللغة إلى صنم، فكل لغة أداة إنسانية عظيمة، لكن العربية عند أهلها تحمل طبقات من المعنى لا يمكن فصلها بسهولة عن الدين والتاريخ والذاكرة. ومن هنا يصبح الدفاع عنها دفاعًا عن قدرة الإنسان على فهم نفسه وموروثه، لا مجرد دفاع عن شكل من أشكال الكتابة.
كيف تراجع حضور العربية بين أبنائها؟
الخطر الأول على العربية ليس أنها عاجزة في ذاتها، بل أن أبناءها يتوقفون عن استعمالها في المجالات التي تصنع المستقبل. فاللغة، مثل العضلة، إذا قل استعمالها ضعفت، وإذا تُركت خارج التعليم والإدارة والإنتاج العلمي والتقنية تحولت تدريجيًا إلى لغة للذكريات والمناسبات، حتى لو بقيت حاضرة في الحديث اليومي.
ويتضح الأمر أكثر حين ننظر إلى التعليم العالي والبحث العلمي. فالجامعات والمدارس الأجنبية اتسع حضورها، وأصبح كثير من المجالات الحديثة يُدرّس ويُنتج خارج العربية. وليس في تعلم اللغات الأخرى مشكلة في ذاته؛ المشكلة أن تتحول اللغة الأجنبية من وسيلة ننتفع بها إلى بديل كامل عن لغتنا، بحيث لا تعود العربية قادرة على تسمية ما نعيشه أو التفكير فيه.
ثم جاءت منصات التواصل لتضيف تحديًا آخر. فالأجيال الجديدة تتلقى يوميًا آلاف الكلمات والصور والأفكار، وتتشكل عاداتها اللغوية من خلال ما تراه وتكرره وتشاركه. وإذا كان الحضور العربي في هذه المساحات ضعيفًا، أو كان استعمال العربية فيها سطحيًا ومشوّهًا، فإن الضعف يتراكم من غير أن نلاحظه فورًا.
هل العربية قادرة على حمل المعرفة الحديثة؟
يتردد أحيانًا أن العربية تصلح للشعر والدين، لكنها لا تصلح للطب والهندسة والفيزياء والذكاء الاصطناعي. وهذا في الحقيقة حكم على واقع الاستعمال لا على قدرة اللغة. فغياب العربية عن مجال ما لا يثبت عجزها عن حمله، بل قد يثبت أن المؤسسات وأهل الاختصاص لم ينتجوا فيه بالعربية بما يكفي.
والتاريخ يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فقد استوعبت العربية علوم اليونان والسريان والفرس، ثم لم تكتف بالنقل، بل صارت لغة للبحث والتعليم والإدارة، وأنتج بها العلماء في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة. كما شهدت عصور قريبة ترجمة العلوم الحديثة وتعليم الطب والهندسة والزراعة بالعربية. فإذا نجحت العربية في استيعاب علوم واسعة في أزمنة سابقة، فلا يوجد سبب ذاتي يجعلها عاجزة عن استيعاب علوم عصرنا.
والأمر نفسه يظهر في بنيتها الداخلية. فالاشتقاق يمنحها قدرة على توليد ألفاظ جديدة من جذور معروفة، والوزن الصرفي يربط بين الصورة والمعنى، والاطراد في أبواب كثيرة يساعد على القياس والفهم. فعندما ظهرت الحاجة إلى تسمية الحاسوب والحوسبة والحاسوبي، لم تكن العربية مضطرة إلى استقبال اللفظ كما هو، بل استطاعت أن تولد منه عائلة لغوية كاملة.
هذا لا يعني أن العربية كاملة ولا أن اللغات الأخرى ناقصة. كل لغة لها خصائصها ومشكلاتها، لكن المقارنة العادلة تقتضي أن نقيس ما تستطيع اللغة فعله حين تُخدم مؤسساتيًا، لا أن نحاكمها إلى واقع أهملها ثم ننسب نتيجة الإهمال إلى طبيعتها.
ثلاثة أسباب تجعل التمسك بالعربية ضروريًا
العربية وعاء الوحي والذاكرة الدينية
بالنسبة إلى المسلم، للعربية مكانة لا تشبه مكانة أي لغة أخرى؛ فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، والعبادات الأساسية متصلة بها، وفهم قدر كبير من التراث الديني يمر عبر ألفاظها وتراكيبها. لذلك لا يكون تعلم اللغة العربية مجرد ترف ثقافي، بل طريقًا إلى قراءة النصوص التي تشكل جانبًا أصيلًا من وعي المسلم.
العربية سجل حضاري مفتوح
تحمل العربية تراثًا دينيًا وأدبيًا وعلميًا وفلسفيًا واسعًا. وليس معنى ذلك أن نعيش في الماضي أو نكرر ما قيل فيه، بل أن نملك القدرة على الرجوع إلى مصادره وفهمها من داخل لغتها، ثم البناء عليها أو نقدها. من لا يملك لغة تراثه يضطر غالبًا إلى الاكتفاء بما ينقله الآخرون عنه، وقد يفوته من المعنى ما لا تنقله الترجمة.
العربية أداة لتكوين عقل قادر على تسمية واقعه
الإنسان لا يفكر في فراغ. هو يحتاج إلى ألفاظ تفرق بين الأشياء، وتضبط العلاقات، وتتيح له أن يسأل ويعترض ويشرح. وكلما اتسعت اللغة في ذهنه اتسعت قدرته على رؤية الفروق بين المعاني. لذلك فإن إضعاف اللغة في التعليم والإعلام والبحث العلمي يضعف قدرة المجتمع على مناقشة مشكلاته، حتى لو كان أفراده يعرفون لغة أجنبية.
من الدفاع عن العربية إلى خدمتها
لا تكفي العبارات الحماسية في الحديث عن أهمية اللغة العربية. إذا أردنا أن تبقى حية، فعلينا أن نستعملها في الأعمال التي نريد لها أن تبقى حية فيها. وهذا يبدأ من الفرد، لكنه لا ينتهي عنده؛ لأن خدمة اللغة العربية والتعريب والإنتاج العلمي والسياسات التعليمية أعمال تحتاج إلى مؤسسات.
- استعمال العربية في البيت والتعليم: لا يستقر اللسان في ذهن الطفل إذا كان يسمعه في درس منفصل ثم يعيش يومه كله في لغة أخرى. الحديث والقراءة والقصص والنقاش اليومي تصنع ما لا تصنعه الحصة وحدها.
- إنتاج العلم بها: يحتاج كل تخصص إلى قوائم مصطلحية ومعاجم حديثة وكتب وشروح عربية، لا إلى الاكتفاء بترجمة عابرة. ويمكن للمختص أن يبدأ بمقال أو شرح أو قائمة مصطلحات، ثم يتراكم العمل.
- حضور العربية في التقنية: خدمة العربية اليوم تكون ببناء أدوات تصحيح ومعالجة نصوص ومحركات بحث ونماذج ذكاء اصطناعي وواجهات استخدام تحترم طبيعة الخط واللغة.
- حمايتها مؤسسيًا: تحتاج المؤسسات إلى مراجعين لغويين، وإلى سياسات تجعل العربية حاضرة في الوثائق والتعليم والإعلام، لا أن تتركها للمبادرات الفردية وحدها.
- تعلم اللغات الأخرى دون خسارة اللغة الأولى: لا تعارض بين أن يتعلم الطفل الإنجليزية أو غيرها وأن يظل عربي اللسان والمرجع. المهم ألا تقدم اللغة الأجنبية بوصفها عالمًا بديلًا، بل أداة نافعة تضاف إلى ما لديه.
وهنا يظهر الفرق بين التعصب للغة والوفاء لها. التعصب يرفض كل ما هو خارجها، أما الوفاء فيعرف قيمتها ويستفيد من غيرها دون أن يتخلى عنها. نحن لا نحتاج إلى إغلاق أبواب اللغات، بل إلى أن ندخلها ونحن نعرف من نكون، وأن نعود منها بعلوم جديدة يمكن أن نضيفها إلى لغتنا بدل أن نترك لغتنا خارج كل علم جديد.
أسئلة تحتاج إلى تواضع علمي
من السهل أن يتحول الدفاع عن العربية إلى مبالغات لا تخدمها. فمثلًا، القول إن العربية «أم اللغات» يحتاج إلى أدلة تاريخية ولسانية قاطعة، ولا يكفي فيه الحب أو الاعتزاز. نحن نملك قرائن قوية على قدم العربية وعظمتها، لكن التواضع العلمي يقتضي ألا نثبت ما لا نملك عليه دليلًا حاسمًا.
وكذلك فإن القول بأن اللغة تؤثر في رؤية العالم لا يعني أن الإنسان سجين لغته ولا يستطيع أن يتعلم غيرها، بل يعني أن اللغة جزء من البيئة التي تتشكل فيها مفاهيمه. ومن هنا يكون تعلم اللغات الأخرى أكثر نفعًا حين يأتي مع وعي بالاختلافات القيمية والثقافية، لا حين يُطلب من الطفل أن يستبدل نموذجه الأول قبل أن يفهمه.
في النهاية
أثر اللغة العربية في حياتنا لا يظهر في عدد الكلمات التي نعرفها فقط، بل في الطريقة التي نفهم بها الدين والتاريخ والناس وأنفسنا. وهي ليست لغة عاجزة تنتظر من يبرر وجودها، وإنما لغة حملت الوحي واستوعبت علوم الأمم وولدت ألفاظًا جديدة، ثم تراجع حضورها حين تراجع استعمال أبنائها وإنتاجهم بها.
لذلك لا أظن أن السؤال الحقيقي هو: هل العربية قادرة على البقاء؟ السؤال الأصدق هو: هل نحن مستعدون لأن نستعملها في حياتنا، وأن ننتج بها، وأن نترك لها مكانًا في المستقبل؟ فاللغة العربية لا تنهض بالخطب وحدها، وإنما ينهض بها أهلها حين يجعلونها جزءًا من العمل والمعرفة والعيش.
المرجع
المادة الأصلية: تفريغ لقاء «أثر اللغة العربية وأهميتها في حياتنا» ضمن مسار النور، مع الأستاذ الدكتور خالد فهمي. أُعيدت صياغة المادة وتحريرها في صورة مقال، مع الحفاظ على أفكارها ومحاورها الأساسية.