كيف نقع في حب القراءة ونحوّلها من واجب ثقيل إلى عادة ممتعة ونافعة؟ تختلف علاقة الناس بالقراءة اختلافًا كبيرًا؛ فمنهم من لا يقرأ ويريد أن يبدأ، ومنهم من يقرأ دون أن يجد فيها متعة حقيقية، ومنهم من يحبها لكنه لا يشعر بأنه يستفيد منها كما ينبغي. وهناك من يريد زيادة قراءاته، أو تنظيمها وفق منهج واضح، أو الانتقال منها إلى امتلاك القدرة على الكتابة.
وتدور أحوال كثير من الناس بين الرغبة في حب القراءة، والاستفادة منها، وزيادتها، وتنظيمها. أما الذين يريدون أن يبدأوا طريق القراءة من الأصل فهم أقل عددًا، وكذلك الذين يسعون إلى الانتقال من القراءة إلى الكتابة. ومع اختلاف هذه الأحوال، تبقى القراءة رحلة يمكن أن يبدأها الإنسان من النقطة التي يقف عندها، لا من الصورة المثالية التي يتخيل أنه ينبغي أن يكون عليها.
وبناء العلاقة مع الكتاب يسبق سؤال الغاية والطريقة؛ لذلك نستكمل الرحلة في الجزء الثاني: لماذا نقرأ وكيف نقرأ؟. وتتصل قيمة القراءة بأول أمر في الوحي: اقرأ باسم ربك الذي خلق.
ماذا نريد من القراءة؟
ليست القراءة هدفًا واحدًا مغلقًا، بل تتعدد الغايات التي تدفع الإنسان إليها. فقد يقرأ الإنسان بحثًا عن العمق، أو رغبة في فهم العالم، أو طلبًا للمتعة، أو استعدادًا للكتابة والإبداع، أو سعيًا إلى تنمية مهاراته وقدراته.
القراءة طريق إلى العمق
يريد بعض الناس من القراءة أن تجعلهم أعمق نظرًا وأوسع فهمًا، حتى لا يقفوا عند سطح الأشياء. فالإنسان الذي لا يقرأ قد يكتفي بما يظهر أمامه، بينما تمنحه القراءة القدرة على رؤية الخلفيات، وربط الأسباب بالنتائج، والنظر إلى المسائل من زوايا متعددة. ولا يعني العمق تعقيد الكلام أو جمع المعلومات فحسب، بل يعني القدرة على تجاوز الأحكام السريعة، وفهم ما وراء الأحداث والمواقف والأفكار.
القراءة بوابة إلى فهم العالم
تفتح القراءة بابًا إلى عالم أوسع من العالم الذي تراه العين مباشرة. فمن خلالها يمكن فهم الناس والتاريخ والأفكار والحوادث والمجتمعات، والتعرف إلى أنماط من الحياة والتجربة لم يعشها القارئ بنفسه. ويعيش الإنسان داخل حدود مكانه وزمانه وخبرته الشخصية، لكن الكتاب يسمح له بتجاوز هذه الحدود، فيقترب من تجارب شعوب بعيدة، ويتعرف إلى أفكار أشخاص عاشوا في أزمنة أخرى، ويرى العالم بعيون متعددة.
القراءة بوصفها متعة
قد تكون القراءة لذة حقيقية، وليست كل قراءة تكليفًا ثقيلًا أو واجبًا دراسيًا. فهناك من يقرأ لأنه يستمتع بالجلوس مع الكتاب، والانغماس في عالم الرواية، أو تأمل قصيدة، أو متابعة فكرة تنمو من صفحة إلى أخرى. وتصبح القراءة في هذه الحالة مساحة للراحة والدهشة والاكتشاف، لا مجرد وسيلة للحصول على معلومة أو اجتياز اختبار.
القراءة طريق إلى الكتابة والإبداع
لا تولد الكتابة غالبًا من فراغ، وإنما تنشأ من قراءة طويلة ومتفاعلة. فالإنسان الذي يريد أن يكتب يحتاج إلى أن يتعرف إلى اللغة في استعمالاتها المختلفة، وأن يلاحظ كيف تُبنى الجمل، وكيف تنتقل الأفكار، وكيف تتشكل الصور والمعاني. ومن خلال القراءة يتكون المخزون اللغوي والفكري الذي يستند إليه الكاتب. وكلما اتسعت قراءة الإنسان وتعمق تفاعله معها، زادت قدرته على التعبير والإبداع.
القراءة وتنمية المهارات والقدرات
يمكن أن تكون القراءة وسيلة لتنمية الإنسان في مجالات كثيرة، مثل الإدارة، والتربية، والزواج، والتعامل مع الناس، وفهم النفس، وبناء العادات، وتطوير المهارات المهنية والشخصية. فهي لا تقتصر على الأدب أو الثقافة العامة، وإنما يمكن أن تكون وسيلة عملية للتعلم وتحسين القرارات والسلوك والعلاقات.
تعدد دوافع القراءة
قد يريد الإنسان القراءة للفهم، أو للاستمتاع، أو للتكوين، أو للكتابة، أو للتدين، أو لكل ذلك معًا. ولا يوجد سبب واحد يصلح وحده لجميع القراء، لأن علاقة كل إنسان بالكتاب تتشكل بحسب حاجته وميوله ومرحلته في الحياة.
كسر الصورة الأسطورية للمثقف
يبالغ الناس أحيانًا في تصور المسافة بينهم وبين من يظنونهم مثقفين. وقد يتخيلون أن القارئ الجيد يقرأ مئات الكتب كل عام، وأنه يمتلك قدرة استثنائية لا يمكن للقارئ العادي الوصول إليها. وقد تصل بعض التصورات إلى الاعتقاد بأن المثقف يقرأ خمسمائة كتاب في السنة أو أكثر. وتخلق هذه الصورة مسافة وهمية تجعل الإنسان يشعر بأن القراءة عالم بعيد لا يدخله إلا أشخاص خارقون.
المسافة أقصر مما تبدو
المسافة بين القارئ المبتدئ والقارئ المتمرس قد لا تكون شاسعة كما تبدو، بل قد تكون مجموعة من الخطوات الصغيرة المتراكمة. فالقراءة أقرب مما يظنه الإنسان، لكنها تحتاج إلى مفاتيح وصبر وممارسة. وليس المقصود من الحديث عن أعداد الكتب استعراض الإنجاز، بل تحرير القراءة من الصورة الأسطورية التي تحولها إلى مجال مغلق لا يدخله إلا أصحاب القدرات النادرة.
الكبسولة أم المفتاح؟
من الأخطاء الشائعة في التعامل مع الكتب والدورات والمواد التعليمية انتظار الكبسولة السحرية. فقد يدخل الإنسان إلى دورة عن القراءة متوقعًا أن يخرج منها قارئًا نهمًا، أو أن يزول الحاجز بينه وبين الكتب خلال ساعة واحدة. المعرفة تمنح مفاتيح لا تحولات فورية، فلا تمنح المعرفة الإنسان تحولًا كاملًا في لحظة واحدة، وإنما تمنحه مفاتيح. وقد يستخدم الإنسان أحد هذه المفاتيح مباشرة، أو يحتفظ به في ذاكرته فترة طويلة ثم ينتفع به بعد سنوات، وقد يسمعه ولا يستخدمه أصلًا.
وتدل التجارب المبكرة مع بعض دورات التنمية البشرية في بدايات الجامعة على هذا المعنى. فلم تكن تلك الدورات قادرة على صناعة إنسان مكتمل، لكنها كانت تمنح مفاتيح صغيرة: كلمة بقيت في الذاكرة، أو معنى استقر في القلب، أو فكرة ظهرت فائدتها بعد سنوات. ولا ينبغي توقع أكثر مما تحتمله المادة التعليمية حتى لا ينشأ الإحباط، ولا ينبغي في الوقت نفسه احتقار القليل الذي يسمعه الإنسان أو يقرؤه. فقد تكون كلمة صغيرة سببًا في فتح باب كبير بعد زمن.
القراءة فعل يشبه الحب
هناك فرق كبير بين السؤال: كيف أقرأ؟ والسؤال: كيف أقع في حب القراءة؟. فالسؤال الأول تقني وعملي، يتعلق بوسائل القراءة وتنظيمها، أما الثاني فوجداني وروحي، يتعلق بالعلاقة التي تنشأ بين الإنسان والكتاب.
القراءة ليست مجرد مهارة، بل فعل يشبه الحب. وللقراءة قارئ ومقروء، كما أن للحب محبًا ومحبوبًا. ومن يقع في هوى القراءة قد تستمر علاقته بها إلى آخر عمره. ولا يعني هذا أن جميع القراء يشعرون بالشغف نفسه منذ البداية، وإنما يعني أن القراءة يمكن أن تتحول من واجب ثقيل إلى علاقة ذات معنى ومتعة وألفة.
محبوب القراءة الأول
إذا كانت القراءة نوعًا من الحب، فما الذي يحبه الإنسان فيها؟ قد تكون الإجابة هي المعرفة، أو المعنى، أو المحتوى، أو القراءة نفسها. غير أن هذه الأمور كلها نتائج وآثار، أما المحبوب الأول في القراءة فهو الكلمة.
فالإنسان حين يقرأ يتعامل أولًا مع كلمات. والكلمة هي الواسطة بينه وبين المعرفة والمعنى، ووسيلة اتصال الإنسان بالعالم وبعقول الآخرين وقلوبهم وتجاربهم. تصل الكلمة بين عقل وعقل، وبين قلب وقلب، وبين إنسان وإنسان. وقد اختار الله سبحانه وتعالى الكلمة وسيلة للوحي، وأنزل بها كتابه على نبيه صلى الله عليه وسلم، وبقي القرآن كتابًا مفتوحًا يقرؤه الناس إلى اليوم. ليست الكلمة مجرد كلام كما يقال أحيانًا باستخفاف.
فكثيرًا ما تُستخدم عبارات مثل هذا كلام جرائد أو هذا مجرد كلام، وكأن الكلام لا أثر له، مع أن الكلمات تصنع الوعي، وتحرك الشعوب، وتبني الأمم، وقد تهدمها أيضًا. كل حضارة، وكل علم، وكل حرب، وكل فكرة كبرى، وكل إصلاح أو فساد، بدأ بكلمات أو عُبّر عنه بكلمات. فالكلمة هي الوسيط الذي يجعل ما في العقول قابلًا للانتقال والتداول والفهم والبناء عليه.
وحين يعرف الإنسان قدر الكلمة، يبدأ في الاقتراب منها وحبها، بدل أن يستثقلها أو يزهد فيها.
روح الكلمة: اللغة العربية
إذا كانت الكلمة هي محبوب القراءة، فإن اللغة هي روحها. وفي سياق القراءة العربية تصبح اللغة العربية هي الروح التي تحمل الكلمة وتمنحها مذاقها وإيقاعها وطاقتها التعبيرية. لا يقتضي الحديث عن القراءة بالعربية الادعاء بإتقان القراءة الكاملة بلغات أخرى، بل ينطلق من كون العربية المجال الأساسي الذي يقرأ فيه كثير من الناس. واللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل أو وسيلة لنقل المعلومات، بل لها روح قائمة بذاتها. ومن يصل إلى روح هذه اللغة يستطيع أن يستمتع بالقراءة فيها، وأن يشعر بما يتجاوز المعنى المباشر للكلمات. يمكن أن تكشف القراءة بصوت مرتفع جانبًا من جمال العربية، لأن سماع اللغة يتيح إدراك جرسها وإيقاعها وتناسق أصواتها.
الأدب يصنع الذائقة
لا تنمو هذه الذائقة غالبًا من الكتب العلمية وحدها، لأن اللغة فيها تُستخدم عادة بصورة مباشرة وآلية، وإنما تنمو من خلال الشعر، والأدب الرفيع، والنثر الفني، وكتابات المنفلوطي والرافعي وغيرهما. وتمنح هذه النصوص القارئ ذائقة لغوية، وكلما نمت ذائقته تشكلت بينه وبين النصوص ألفة أعمق.
فلا يعود يتعامل مع الكلمات بوصفها أدوات صامتة، بل يشعر بإيقاعها وتركيبها وأثرها النفسي.
الكتابة بالفرانكو وإفساد الذائقة
تؤثر عادة الكتابة بالفرانكو أو العربيزي في علاقة الإنسان باللغة العربية على المدى الطويل. فهي لا تفسد شكل الكتابة فقط، بل قد تؤثر في العين والذائقة والقدرة على التعامل الطبيعي مع الحروف العربية.
قد تمتد آثار هذه العادة إلى الأجيال التالية إذا اعتاد الناس عليها ونقلوها إلى أبنائهم. فاللغة لا تحفظ بالمواقف النظرية وحدها، بل تُحفظ من خلال الاستعمال اليومي والاعتياد البصري والكتابي.
وتصبح قراءة الرسائل المكتوبة بالفرانكو مرهقة لمن اعتاد الحرف العربي، ولذلك قد يكون من الأفضل تشجيع الآخرين على الكتابة بالعربية بدلًا من استعمال الحروف اللاتينية والأرقام لتمثيل الأصوات العربية. والعربية أقدر على التعبير من كثير من الرموز والوجوه التعبيرية التي تُقحم في الكتابة.
فهي تمتلك أدوات دقيقة للتعبير عن العجب والتوجع والدهشة والحزن والفرح وغيرها من الأحوال النفسية. ومن أمثلة ذلك كلمات وأصوات مثل واها، وآه، ووي، وغيرها من الألفاظ التي تحمل معنى وشعورًا في الوقت نفسه.
جسد الكلمة: الخط العربي
كما أن للكلمة روحًا هي اللغة، فإن لها جسدًا هو الخط. ولا يُقصد بالخط هنا الخط اليدوي الجميل وحده، بل صورة الحرف العربي عمومًا، سواء كان مطبوعًا أو مكتوبًا. يمكن لقراءة شيء عن الخط العربي وتأمل جماله أن ينشئا صلة روحية بين الإنسان والحرف.
فالخط العربي من الفنون الأولى في الحضارة العربية والإسلامية. وإذا كان المسرح أو النحت أو غيرهما من الفنون قد احتل مكانة مركزية لدى أمم أخرى، فإن الخط العربي كان فنًا أصيلًا ومركزيًا عند العرب والمسلمين، وظهر في المساجد والقباب والمآذن والجدران والمصاحف واللوحات.
يتضمن حرف الواو كثيرًا من خصائص الخط العربي، وهو كذلك من أكثر الحروف استخدامًا، لأنه حرف العطف الذي يصل الكلمات والجمل بعضها ببعض. ويمكن النظر إلى اللوحات الخطية لا بوصفها زخارف فحسب، بل بوصفها صورًا للجمال يمكن أن يحبها الإنسان ويتأملها. فالحرف العربي لا يؤدي وظيفة لغوية فقط، وإنما يمتلك كذلك هيئة بصرية وفنية.
الحروف بين الرسم والصوت
يمكن أن يُنظر إلى الحروف العربية من جهتين: جهة الرسم، وجهة الصوت. وقد يفضل الإنسان حرفًا بسبب جمال شكله، ويفضل حرفًا آخر بسبب جرسه وطريقة خروجه. يحمل حرف العين في رسمه جمالًا متدفقًا؛ إذ تبدو هيئته كأنها حاجب عين ورأس، ثم يمتد نزولًا في صورة مائلة، قبل أن يلتف في نهايته حتى يكتمل.
وتكشف هذه الصورة أن الحروف العربية يمكن أن تُرى وتُحب، لا أن تُستخدم بوصفها أدوات محايدة فحسب.
أما من جهة الصوت، فيتميز حرف السين بصوت أخاذ يشعر معه الإنسان بانسحاب الهواء من بين الأسنان. ويظهر سحره في كلمات مثل سحرًا، وسرًا، وسكرًا، وسكنًا.
وقد كتب علماء العربية القدامى، مثل ابن جني وغيره، عن أصوات الحروف وعلاقتها بالمعاني، وعن الطريقة التي يمكن أن يناسب بها صوت الحرف المعنى الذي يعبّر عنه. ليس المقصود من هذه الأمثلة التكلف أو تحميل الحروف ما لا تحتمل، بل فتح باب تذوق اللغة، وتأمل صوت الحرف وجرسه وشكله.
فاللغة ليست وسيلة جامدة، بل عالم كامل من الأصوات والصور والإيحاءات.
ما الذي تضيفه القراءة إلى الإنسان؟
لا يكفي أن تكون القراءة جميلة في ذاتها، بل ينبغي النظر كذلك إلى ما تمنحه للإنسان. قد يحب الإنسان شخصًا جميل الروح والشكل، لكنه يفتقر إلى العلم والمعرفة والظرف والقدرة على التعامل مع الحياة، فيشعر بعد مدة بالملل.
وبالمثل، لا تقوم قيمة القراءة على جمالها وحده، وإنما تتجلى كذلك في العوالم التي تفتحها وما تضيفه إلى العقل والروح. وتفتح القراءة أمام الإنسان أربعة مجالات كبرى: العوالم المنظورة، والمشحون في العقول، والمكنون في المشاعر، والدين.
العوالم المنظورة
العوالم المنظورة هي العوالم الموجودة بالفعل، والتي رآها الناس وعاشوها، لكنها محجوبة عن الإنسان بسبب حدود الزمان أو المكان.
فالإنسان محصور في مكانه، ولا يستطيع أن يرى بنفسه كل ما يجري في الشام أو المغرب أو اليمن أو الأندلس أو غيرها. لكن القراءة تفك هذا القيد، وتمنحه حرية السفر دون جواز سفر، وتعطيه جناحين يحلق بهما فوق الأمكنة والأزمنة.
قد يتمنى الإنسان أن يولد في زمن آخر أو يعيش في عصر مختلف.
وتمنحه القراءة فرصة الدخول إلى ذلك العصر، بل قد يعرف عنه أكثر مما عرفه بعض الذين عاشوا فيه؛ لأن المصادر تجمعت بين يديه بعد مرور الزمن، بينما لم تكن متاحة كاملة لمعاصري الأحداث. وهكذا تفتح القراءة الحدود الجغرافية والتاريخية، وتجعل الإنسان أقل أسرًا لمكانه وزمانه.
المشحون في العقول
يمكن لكل فكرة دارت في عقل إنسان، في أي زمن أو مكان، أن تصل إلى الآخرين عن طريق الكلمة. قد يتمنى الإنسان لو استطاع الجلوس ساعات طويلة مع عالم أو مفكر أو أديب ليستمع إليه، لكن الكتب تمنحه فرصة العيش مع أفكار هؤلاء الأشخاص.
وقد يحب بعض القراء مؤلفًا معينًا حتى يشعروا بأنه ساهم في تشكيل أرواحهم، وأنه أصبح أقرب إليهم من كثير ممن عاشوا معهم. قد يجلس الإنسان مع شخص طويلًا دون أن يعرف كل ما في عقله، لكن هذا الشخص حين يكتب يسطّر بعض مكنونه، ويجعله قابلًا للقراءة بعد موته بسنوات أو قرون.
المكنون في المشاعر
قد يظن بعض الناس أن قراءة الشعر أو الرواية أو الأدب العاطفي مجرد استدرار للمشاعر؛ أي أن الإنسان يقرأ نصًا حزينًا لكي يحزن، أو قصيدة حب لكي يشعر بالحب.
لكن الأدب لا يوقظ المشاعر فحسب، بل يصقلها ويساعد الإنسان على فهمها. فهو يكشف ما يحدث داخل النفس في الغضب والحب والحزن، وما يعتمل في القلوب من مشاعر متداخلة.
قد يظن الإنسان الذي لم يقرأ تجارب الآخرين أن تجربته هي المأساة الأولى والأخيرة في العالم، لكن القراءة تكشف له أن غيره مر بما يشبه ما يمر به، وربما استطاع التعبير عنه بعمق يفوق قدرة القارئ نفسه على التعبير.
لذلك ليست قراءة الروايات والشعر والنثر الفني ترفًا دائمًا، بل قد تكون تدريبًا عميقًا على فهم النفس والناس.
الدين
يتعبد الإنسان إلى الله بالكلمة؛ فيقرأ القرآن، ويذكر الله، ويتعلم الفقه، ويفهم العلم الشرعي. وكل ذلك يتم عبر المقروء أو المنطوق الذي أصله كلمة. لولا القراءة لما استطاع كثير من الناس أن يتخذوا إلى الله سبيلًا من العلم والفهم والتدبر. ولذلك ليست القراءة منفصلة عن الدين، بل تقع في صلب العلاقة بين الإنسان والوحي والعلم.
كيف يبدأ حب القراءة؟
يقع الناس في علاقتهم الأولى بالقراءة على حالين: فمنهم من يقع في حبها منذ أول كتاب يقرؤه، ومنهم من لا يحدث له ذلك، فيحتاج إلى أن يتحبب إليها بالتدريج.
الحب من أول نظرة
قد يقرأ الإنسان كتابًا في المرحلة الإعدادية أو الثانوية أو الجامعية، أو حتى في سن متأخرة، فيشعر بأن هذا الكتاب فتح له باب القراءة كله. ويكون قد وقع بذلك في حب القراءة من أول نظرة.
أهمية الكتاب الأول
ينبغي اختيار الكتاب الأول بعناية. فكما يمكن للتجربة الأولى في أي مجال أن تحبب الإنسان فيه أو تعقده منه، يمكن للكتاب الأول أن يقربه من القراءة أو ينفره منها.
وقد يكره أحدهم الرياضيات بسبب مدرس سيئ، كما قد يكره القراءة بسبب كتاب ثقيل لا يناسبه في البداية. ولذلك لا ينبغي البدء بكتاب بعيد عن القلب أو شديد الصعوبة لمجرد أن الناس يمدحونه، بل بما يناسب الميل والمستوى ويقرب من عالم الكتب.
النصيحة الخاصة أهم من النصيحة العامة
ينبغي طلب النصيحة من شخص قريب يعرف القارئ ويفهم ميوله، لا من شخص بعيد لا يعرف عنه شيئًا. قد تكون النصيحة العامة نافعة، لكنها تظل عامة.
أما النصيحة الخاصة فتراعي الميول والمستوى وما يحبه الإنسان وما ينفر منه. ولهذا يكون من المفيد لمن يريد أن يبدأ القراءة أن يسأل شخصًا يقرأ ويعرفه جيدًا عن الكتاب الذي يناسبه، وعن البداية التي يمكن أن تحببه في القراءة.
التحبب إلى القراءة
عدم الوقوع في حب القراءة من أول نظرة لا يعني ضرورة تركها. فالإنسان قد لا يُفطر على حب بعض الأخلاق أو الأعمال، لكنه يكتسبها بالتدريب.
وكما قيل: إنما الصبر بالتصبر، والحلم بالتحلم، يمكن كذلك اكتساب حب القراءة بالتحبب إليها واتخاذ خطوات صغيرة نحوها.
وسائل عملية للتحبب إلى القراءة
القراءة الصغيرة المنتظمة
لا ينبغي البدء بأحمال ضخمة، بل يمكن قراءة عشر صفحات في اليوم، أو عشرين، أو ثلاثين، بحسب القدرة. والمهم أن تكون القراءة صغيرة ومنتظمة. فالانتظام أهم في البداية من الكثرة، لأن الكثرة قد تأتي لاحقًا، بينما قد تقتل البداية الثقيلة الرغبة كلها.
البدء بما يحب الإنسان
تكون البداية بما يحبه الإنسان. فمن يميل إلى الرواية يمكنه البدء برواية جميلة، ومن يميل إلى الشعر يمكنه البدء بنصوص شعرية مختارة وسهلة، ومن يميل إلى التاريخ يمكنه البدء بكتاب تاريخي قريب من روحه، لا بكتاب أكاديمي جاف.
وليس المطلوب في البداية اختيار أصعب الكتب أو أعظمها، بل العثور على خيط يشد الإنسان إلى عالم القراءة.
لا يلزم إتمام كل كتاب
لا تعني القراءة دائمًا البدء من الصفحة الأولى والوصول إلى الصفحة الأخيرة. فقد يقرأ الإنسان فصلًا يهمه، أو فكرة يحتاج إليها، أو موضعًا يتصل بما يشغله.
المهم هو التفاعل مع النص، فقد يكون تفاعل القارئ مع كتاب واحد أعمق من قراءة سطحية لعشرات الكتب. ويقارب هذا المعنى ما ورد عن الصحابة من أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها ويعملوا بها. فالقليل المتفاعل قد يكون أثمر من الكثير العابر.
السماع يعين على القراءة
يساعد الاستماع إلى العربية الجيدة على تنمية الذائقة وتسهيل القراءة. ويمكن أن يشمل ذلك المحاضرات، والكتب المسموعة، والقصائد، والدروس، والمسلسلات التاريخية الناطقة بالفصحى.
فالاستماع يجعل اللغة مألوفة في الأذن، ومن ثم تصبح قراءتها أسهل وأحب. ومن الأعمال التي يمكن أن تفيد في هذا الباب المسلسلات التاريخية التي كتبها وليد سيف، مثل صقر قريش، وربيع قرطبة، وملوك الطوائف.
كما يمكن الاستفادة من أعمال أخرى ناطقة بالفصحى، مثل عمر، والحجاج، وصلاح الدين. وقد تكون على بعض هذه الأعمال ملاحظات تاريخية أو فنية، لكن المقصود هو الانتفاع باللغة والمعاني والروح العامة.
القراءة التشاركية
من مزايا العصر الحاضر انتشار مجموعات القراءة، سواء كانت مجموعات تناقش كتابًا، أو حلقات ثقافية، أو نوادي للقراءة، أو مجموعات عبر الإنترنت. تشعر القراءة التشاركية الإنسان بأنه ليس وحده، وأن هناك من يشاركه الطريق. وقد تكون المشاركة سببًا في الاستمرار، لأن الإنسان يتحمس عندما يرى غيره يقرأ ويناقش ويتفاعل.
القراءة التفاعلية والتدوين
تبدأ الكتابة غالبًا من القراءة، ولذلك يحتاج من يريد الكتابة إلى أن يقرأ بعين الكاتب. فلا يكتفي القارئ في هذه الحالة بتلقي الكلمات، بل يتأمل طريقة استخدام الكلمة، والمواضع التي يمكن أن يُستخدم فيها التعبير، والجمل التي تستحق التدوين، والأفكار التي تستدعي التوقف.
من التجارب النافعة إنشاء مدونة أو دفتر يسجل فيه القارئ من كل كتاب عدة اقتباسات أو فوائد، كأنه يترك علامة تقول: لقد مررت من هنا.
فالنص الذي يمر عليه الإنسان دون أن يأخذ منه شيئًا قد يُنسى سريعًا، أما النص الذي يدوّن منه فكرة أو لفظًا أو عبارة فيترك أثرًا أعمق. ولا يولد الكاتب الجيد من فراغ، بل يتشكل من لطائف صغيرة يلتقطها من الكتب، والمقصود باللطائف هنا الدقيقة، والأفكار الظريفة، والتعابير اللافتة، والملاحظات العميقة.
القراءة السريعة
تعد القراءة السريعة أداة نافعة في بعض المواضع، لكنها لا تصلح لجميع أنواع القراءة. لا تناسب القراءة السريعة قراءة الاستمتاع أو التذوق، لكنها قد تكون نافعة في التحصيل السريع، أو عند قراءة عدد من الكتب في موضوع واحد. وتساعد على المرور على الصفحات والتقاط الأفكار الأساسية، ثم التوقف عند المواضع التي تستحق قراءة أبطأ. لا تسير القراءة بسرعة واحدة دائمًا. ففي بعض الأحيان يحتاج النص إلى بطء شديد وتذوق، وفي أحيان أخرى تكون السرعة مناسبة لأن الهدف هو العثور على فكرة أو تكوين صورة عامة.
صناعة مكتبة قريبة
يساعد اقتناء الكتب وصناعة مكتبة في البيت على تقوية العلاقة بالقراءة، ولو كانت المكتبة بسيطة تتكون من رفّين من الخشب أو مساحة صغيرة مرتبة. المهم أن تكون الكتب ظاهرة وقريبة.
فالكتاب الموجود داخل صندوق تحت السرير، أو في خزانة مغلقة، لا يؤدي الأثر نفسه الذي يؤديه الكتاب الموجود أمام العين. ووجود الكتب قريبًا يحافظ على الصلة بها، ويذكّر الإنسان دائمًا بإمكان القراءة.
يمكن لزيارة معرض الكتاب وشراء عدد مناسب من الكتب أن تكون بداية لبناء مكتبة شخصية، لأن امتلاك الكتاب نفسه قد يكون من المعينات على قراءته.
عدد الكتب والقراءة الحقيقية
لا يمكن قياس القراءة الحقيقية بعدد الكتب وحده. ففي إحدى التجارب الشخصية، لم يتجاوز عدد الكتب التي قُرئت قراءة حقيقية خلال سنوات طويلة نحو مئة وخمسين أو مئتي كتاب. يكشف هذا الرقم الفرق بين كثرة الكتب وعمق التفاعل معها.
فقد يقرأ إنسان خمسين كتابًا قراءة عميقة متفاعلة، فينتفع بها أكثر ممن يمر على مئات الكتب مرورًا سريعًا. والمهم ليس الرقم وحده، بل أثر القراءة في الفهم والذوق واللغة والعمل والروح.
الرواية التاريخية ودقتها
هناك فرق بين قراءة كتاب تاريخي طلبًا للمعرفة الدقيقة، وقراءة رواية تاريخية أو عمل أدبي لا يُراد منه التحقق التاريخي الكامل. من يريد معرفة التاريخ بدقة يحتاج إلى سؤال المتخصصين والرجوع إلى المصادر المناسبة.
أما الرواية التاريخية فيمكن قراءتها للاستفادة من روح النص ومعانيه وأجوائه، دون التعامل معها بوصفها مرجعًا تاريخيًا صارمًا. وقد تشتمل بعض الأعمال الأدبية على ملاحظات أو أخطاء تاريخية، لكنها تظل نافعة من جهة اللغة والمعاني والروح العامة.
أعمال قد تحبب في القراءة
ينبغي أن تكون ترشيحات الكتب شخصية قدر الإمكان، لأن ما يحبب إنسانًا في القراءة قد لا يحبب غيره. توجد بعض الكتب والروايات التي يمكن أن تكون مداخل جيدة لبعض القراء، ومنها ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، وعلي ونينو، وبعض أعمال نجيب محفوظ مثل الحرافيش، ورواية قمر على سمرقند، التي قد يبقى أثرها مع القارئ فترة طويلة.
وقد تكون الكتب والروايات التي تجمع بين التاريخ والانفعال والعاطفة والفن والأدب مناسبة لمن يبحث عن مدخل مشوق إلى القراءة.
من الكتب التي يمكن أن تترك أثرًا قويًا في البدايات كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين. فقد يدفع هذا الكتاب القارئ إلى الشعور بأنه لا يعرف ما يكفي عن تاريخ المسلمين وأفكارهم، ويكون بذلك منطلقًا لرحلة أوسع مع القراءة.
القراءة أمّ الكتابة
تولد الكتابة من القراءة، ولذلك يمكن القول إن القراءة أمّ الكتابة. ومن يريد أن يصبح كاتبًا جيدًا، أو حتى كاتبًا مقبولًا، يحتاج إلى المداومة على القراءة بعين الكاتب.
معنى القراءة بعين الكاتب ألا ينشغل الإنسان بالمعنى العام وحده، بل يلتفت إلى الكلمات والتراكيب والعبارات وطرق بناء الجمل وكيفية الانتقال بين الأفكار. يفيد تدوين الاقتباسات والفوائد الصغيرة، لأن هذه اللطائف هي التي تشكل الكاتب بمرور الوقت.
فالكاتب الجيد لا يصنع نفسه من العدم، وإنما يكون حصيلة قراءات كثيرة هُضمت وتحولت إلى أسلوب وروح.
الانتقال من ضرورة القراءة إلى حبها
قد يرى الإنسان القراءة ضرورة، لكنه لا يشعر بأنه يحبها. ويكون انتقاله من الإحساس بأنه يجب أن يقرأ إلى حب القراءة ممكنًا عندما يبدأ بما يحقق له المتعة.
من يريد قراءة الشعر يمكنه البدء بالمختارات السهلة أو القصائد الجميلة المحببة، لا بما يثقله في البداية. ومن يريد الأدب يمكنه أن يبدأ بما يفتح أمامه باب الجمال.
من الأمثلة على ذلك كتب المنفلوطي، مثل النظرات والعبرات، وهي من النصوص الممتعة التي قد تكون القصة فيها بسيطة جدًا، لكن طريقة الحكاية والمعاني التي يستخرجها الكاتب تجعل النص فاتنًا.
ينطبق الأمر نفسه على تفسير القرآن؛ فهناك تفاسير مهمة من جهة العلم والتحقيق، وهناك كتب مثل في ظلال القرآن تمنح القارئ إحساسًا مختلفًا بروح النص ومعناه. ولا يعني ذلك المفاضلة المطلقة بين أنواع الكتب، وإنما اختيار ما يناسب الإنسان في المرحلة التي يمر بها.
الكتب القديمة ومعرض الكتاب
وجود كتب قديمة كثيرة في البيت لا يمنع شراء كتب جديدة، لكن من الأفضل أن يكون الشراء الجديد مكملًا لما هو موجود، لا منفصلًا عنه. تبدأ هذه العملية بمعرفة الكتب الموجودة في البيت وفهم موضوعاتها.
فإذا وُجدت رواية من أدب السجون، مثلًا، يمكن شراء رواية أخرى تُقرأ بعدها لتكمل المسار. وإذا وُجد كتاب في موضوع معين، يمكن شراء كتاب يفتحه أو يشرحه أو يضيف إليه.
بهذه الطريقة لا يصبح شراء الكتب عشوائيًا، بل يدخل ضمن خريطة قراءة تساعد على العودة إلى الكتب القديمة، وتربط الجديد بالقديم.
ما بعد حب القراءة
الوقوع في حب القراءة ليس نهاية الطريق. فبعده تظهر أسئلة أعمق تتعلق بمنهجية القراءة، وأسبابها، وكيفية صقل الروح بها، وتنظيم العلاقة بالكتب، وتحويل القراءة إلى معرفة وعمل وكتابة. تبقى البداية في امتلاك المفاتيح الأولى التي تقرب الإنسان من عالم الكتاب، وتحرره من الخوف والصورة الأسطورية والتوقعات الثقيلة.
الخاتمة
القراءة ليست مجرد عادة نافعة أو مهارة ذهنية، بل علاقة حب مع الكلمة. والكلمة لها شرف، وروحها اللغة، وجسدها الخط، وآثارها تمتد إلى فهم العوالم والعقول والمشاعر والدين.
ومن لم يحب القراءة منذ البداية يمكنه أن يتحبب إليها من خلال القراءة الصغيرة المنتظمة، واختيار النص القريب من قلبه، والاستماع إلى العربية الجيدة، والمشاركة في مجموعات القراءة، والتدوين، وبناء مكتبة حاضرة في حياته. ولا تقوم القراءة الحقيقية على عدد الكتب وحده، بل على مقدار ما تتركه في الفهم والذوق واللغة والعمل والروح.
فقد يكون كتاب واحد يُقرأ بعمق أكثر أثرًا من عشرات الكتب التي تمر أمام العين دون أن تستقر في العقل أو القلب.