منذ قرابة أسبوعين بدأ عرض أحد أبرز أعمال صيف 2026، وهو أنمي Jaadugar: A Witch in Mongolia، أو «حياة ساحرة في منغوليا» بالعربية. يقتبس العمل أحداثًا حقيقية عن فتاة مسلمة عاشت زمن الغزو المغولي للبلاد الإسلامية، وتحديدًا في مدينة طوس في القرن الثالث عشر.

بيعت فاطمة، التي تُدعى في المسلسل «إستانا» بالفارسية، جاريةً لعائلة من العلماء. وعلى الرغم من أنها حاولت الهروب في البداية، فإنهم علّموها قيمة المعرفة، فبقيت تعمل وتدرس في منزلهم. وبعد أن غادر وريث العائلة إلى نيسابور لمواصلة دراسته، غزا المغول مدينة طوس، فوقعت فاطمة في أسر جيش تولوي خان، وقُتل سيدها في أثناء حمايته لها. وبعد نقلها إلى منغوليا بدأت تفكر في الانتقام من المغول.

منذ الحلقة الأولى، بما احتوته من مشاهد تصوّر الحياة الإسلامية القديمة بصورة مغايرة لما اعتاده المشاهد، بدا أن مؤلفة العمل وطاقمه قد اطّلعوا على تفاصيل كثيرة من الثقافة الإسلامية، إلى جانب الثقافة المنغولية. وقد دفع هذا كثيرًا من المتابعين إلى طرح سؤال يتكرر منذ عقود، ولعله يعود إلى الحقبة التي كانت تُصدَّر إلينا فيها الأعمال الأجنبية عبر شبكة «سبيستون»:

إلى متى سننتظر قبل أن نصنع أعمالًا تضاهي أعمال الآخرين، وتعبّر عن ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا، كما تفعل دول كثيرة في مقدمتها اليابان والولايات المتحدة، ثم الصين وكوريا اللتان صعدت أعمالهما في السنوات الأخيرة إلى الساحة العالمية؟

أثارت المشاهد الجميلة والخلابة في الأنمي إعجاب المتابعين، حتى تمنى بعضهم لو كان هذا العمل من صنع أيدينا، لا من صنع غيرنا. ومما زاد هذا الشعور أن نهاية الحلقة الأولى تضمنت صوت الأذان في الساحة العامة للمدينة. وبحسب ما نُقل عن إنتاج المشهد، استعان الاستديو بشاب باكستاني حسن الصوت لتسجيل تلك الثواني القليلة، بدلًا من استعمال تسجيل متداول من الإنترنت، وهو ما عُدّ عند المتابعين دلالة على ثقافة الإتقان لدى اليابانيين.

ومن هنا نتناول في هذا المقال الأسئلة الآتية: هل يمكننا فعلًا صناعة أنمي، أو رسوم متحركة، قادر على التعبير عن ثقافتنا؟ وهل ينبغي لنا أن نفعل ذلك؟ وما العوائق التي تحول دونه؟

محتويات المقال

هل يمكننا صناعة الأنمي؟

بغض النظر عن أنمي «حياة ساحرة في منغوليا»، فلن نتطرق هنا إلى محاسنه أو مفاسده، وإنما سنستفيد من بعض تفاصيله؛ لأنه أصبح واحدًا من أشهر النماذج التي أعادت طرح سؤال: هل يمكننا صناعة أنمي عربي؟

في الحقيقة، يحتاج هذا السؤال إلى فهم مقصوده الحقيقي. فهو يعني في أصله: هل يمكننا أن نفعل ما يفعله اليابانيون؟ هل يمكننا صناعة أعمال تحظى بإعجاب العالم، وتبلغ مستوى معينًا من جودة الرسوم والتحريك والإثارة، أو من عمق القصة وجاذبية الشخصيات، مع التنوع الثقافي والفكري وتعدد النهايات؟ وهل يمكننا إبهار العالم بالطريقة نفسها التي أبهرونا بها؟

تدور هذه الأسئلة كلها في فلك واحد: التقليد، والصناعة، وإخراج منتج مشابه.

وظهور مثل هذه الأسئلة مفهوم في عصرنا؛ لأنها خرجت من رحم الانبهار. والانبهار قد يُنسي المرء معاييره وتوجهه وبوصلته، ويجعله يندمج فيما انبهر به من غير أن يسأل: هل يستحق هذا الأمر فعلًا كل هذا التقدير؟

وقد وقع شيء قريب من ذلك في القرون الأخيرة بعد الصدمات الحضارية التي أصابت العالم الإسلامي، سواء في المجال التقني أو السياسي أو العسكري أو الإداري. ومنذ تلك الصدمات بقيت الفكرة كامنة: ما دام الآخرون قد صاروا أفضل منا، على الأقل في المستوى الظاهري والمادي، بسبب هذه السلوكيات، فعلينا إذا أردنا بلوغ تقدمهم «الظاهري» أن نكون مثلهم، وأن نقلدهم، بل أن نعرف ماذا فعلوا وكيف فعلوه ثم نعيد إنتاجه. وكلما كان النموذج أشد إبهارًا، كان الميل إلى تقليده أشد.

وفي هذا المعنى تُنسب إلى ابن خلدون عبارته المشهورة عن ولع المغلوب بتقليد الغالب.

لذلك فإن إجابتي الإجمالية هي أننا لا نستطيع صناعة أنمي عربي بالمعنى الذي يُطرح به السؤال عادة، ولا ينبغي لنا أصلًا أن نفكر في الأمر بالطريقة نفسها التي تقوم عليها هذه الصناعة. فالصناعة في ذاتها، أو الإبهار والبهرجة، ليست غاية تستحق أن نعمل من أجلها لمجرد أنها مبهرة.

فالسحر، مثلًا، يتضمن نوعًا من خرق المألوف والإبهار البصري. فهل يجعل ذلك تعلمه أو ممارسته أمرًا مطلوبًا؟ ولو أن العالم بلغ تقدمًا ماديًا باستعمال السحر وما شابهه، فهل كنا سنقول إن علينا أن نفعل الشيء نفسه؟

سنفصّل الإجابة في قسمين:

  1. لماذا لا يمكن، في ظروفنا الحالية، صناعة أنمي عربي مماثل للصناعة اليابانية؟
  2. ولماذا لا ينبغي لنا الخوض في هذه الصناعة أصلًا إذا كان الناتج سيكون كما نراه في النماذج الحالية؟

أولًا: لماذا لا يمكن صناعة أنمي عربي؟

الدعم المؤسسي والحكومي

لا يخفى أن الحكومة اليابانية تدعم إنتاج الأعمال الفنية، وتقدم تسهيلات لعدد من الاستديوهات والمؤسسات ذات الصلة. أما في العالم العربي، فهذا النوع من الدعم غائب إلى حد كبير. والحكومات في الغالب لا تكترث ببناء مثل هذه الصناعات، وإذا ظهر دعم ما فإنه يكون هشًا، أو لا ينتمي إلى هوية حقيقية، بل يقدّم نسخة رديئة من المنتجات الخارجية.

ومن الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها بعض أعمال شركة «مانجا» السعودية، التي سعت إلى تقديم نسخة عربية من الرسوم المتحركة اليابانية. ورغم الدعم الحكومي والإمكانات الإنتاجية، بقيت بعض المخرجات والأفكار مشوهة، أو بدت أقرب إلى نسخ ضعيفة من القصص الأصلية.

وسنتطرق لاحقًا إلى المشكلة الكامنة في صناعة منتج قادم من ثقافة وفلسفة مغايرتين، ثم محاولة نقله كما هو مع تغيير المظاهر الخارجية فقط. فأخذ المنتج الخارجي بهيكله ومعاييره، ثم استبدال الأسماء والملامح والأصوات بعناصر عربية، لا يصنع منتجًا عربيًا حقيقيًا.

وينطبق شيء من ذلك على دعم وزارة الثقافة الجزائرية لمشروع الرسوم المتحركة في فيلم «خمسة: بئر النسيان»، الذي عُدّ من الأفلام العربية الأولى التي حصلت على جوائز خارج الوطن العربي. ومع وجود تقدم ملحوظ من ناحية الشكل الثقافي، لم يكن نجاحه كافيًا ليخلق نموذجًا إنتاجيًا قابلًا للتكرار.

وتبقى الكلفة أحد أكبر العوائق. فالعمل لم يحظَ بإقبال جماهيري واسع يضمن تكرار التجربة، وهذا مفهوم في ظل بقاء الجمهور العربي ميالًا إلى رؤية الجودة في الأعمال الخارجية. كما أن ضعف الإقبال يحكم مبكرًا على مثل هذه الأفلام بالخسارة، ومن هنا نصل إلى المشكلة الثانية.

التكلفة العامة للصناعة

قد يظن بعض الناس أن صناعة الأنمي صناعة رابحة، وأن إنتاج عمل واحد يضمن ربحًا مرتفعًا وشهرة وجماهيرية. وهذا فهم شائع، لكنه بعيد عن الواقع.

الصناعة اليابانية نفسها من أكثر الصناعات تذبذبًا، واحتمال الخسارة فيها مرتفع. وبين حين وآخر تُفتح استديوهات وتُغلق أخرى بسبب الديون، أو بسبب إنتاج أعمال لم تستطع حتى تغطية تكاليفها. لذلك فالأنمي ليس صناعة محببة لجميع المستثمرين، كما أن فرص الوصول إلى الشهرة ليست كبيرة كما يتخيل المشاهد من الخارج.

في كل موسم يُعرض عدد كبير من أعمال الأنمي، وتخوض هذه الأعمال صراعًا على صدارة الشعبية طوال ثلاثة أشهر تقريبًا. ومع ذلك، لا تستقر الشعبية في النهاية إلا لعدد محدود من الأعمال، ربما خمسة أعمال أو نحوها، بينما تتفاوت بقية الأعمال بين القبول المحدود والهجر شبه الكامل.

فهل تخرج جميع الاستديوهات التي أنتجت تلك الأعمال من الموسم بالقدر نفسه من الربح؟ وهل لاحظنا كم عملًا لا يُقرر إنتاج أجزاء جديدة له؟

إن خروج عمل ياباني إلى الواجهة لا يعتمد على الاستديو وحده، بل يتطلب مغامرة كبيرة ومشاركة أطراف عديدة، بحيث تتوزع الخسارة ولا تقع على طرف واحد، ويتكاتف الجميع في إنجاح المشروع لأن مصيرهم مرتبط به. وهذا ما عُرف لاحقًا في صناعة الأنمي باسم «لجان الإنتاج».

وتتكون لجنة الإنتاج عادة من ممثلين عن الاستديو، والناشر أو صاحب العمل الأصلي، وشركات الإعلان، والمستثمرين، وشركات الألعاب، وشركات الإنتاج الموسيقي، وغيرها من الجهات التي تستفيد من نجاح العمل.

ولك أن تتخيل أن تاريخ صناعة الأنمي يضم آلاف الأعمال، في حين أن شهرة هذه الصناعة وانبهار العالم بها ارتبطا بنسبة محدودة منها. فالأعمال التي صنعت الصورة العالمية للأنمي لا تمثل إلا أقلية وسط آلاف الأعمال الفاشلة أو الخاسرة أو المجهولة أو محدودة الشعبية.

فإذا أردنا قياس هذا الأمر على واقعنا، فعلينا أن نسأل: هل نستطيع تقليد اليابانيين حتى في خسائرهم؟ هل نستطيع أن نمر بمراحل طويلة من التجربة والفشل، وأن نتحمل الكلفة حتى نصل إلى المستوى الحالي؟ لا أظن ذلك.

إن هذه الصناعة تحتاج إلى جو إنتاجي يقبل المخاطرة والخسارة، ويستمر في إنتاج المزيد على أمل أن يظهر عمل يصنع الفارق، فيعوض بعض الخسائر أو يسمح باستمرار المؤسسة في السوق.

ولا مجال للمقارنة بين بيئة ابتكرت وسائل لتقليل الخسارة، مثل جمع عدد من الشركات في لجان الإنتاج، أو اختصار القصة أحيانًا لإنهائها في عدد أقل من الحلقات، أو تقسيم العمل إلى مواسم متعددة لقياس استجابة الجمهور قبل الاستمرار، وبين بيئتنا التي بالكاد تمتلك أصلًا صناعة مستقرة في هذا المجال.

المنتجات الثانوية وثقافة الملحقات

من أشهر وسائل تحقيق الأرباح وتقليل احتمال الخسارة في صناعة الأنمي القدرة على استخراج محتوى ثانوي من العمل. فالاستديو لا يقدم العمل وحده، بل قد يقدّم معه ألعابًا، وإكسسوارات، ومنتجات موسيقية، ودمى، وملابس، وديكورات تحمل شخصيات العمل، إلى جانب نشاطات الكوسبلاي وغيرها.

كل أنمي ناجح قد يتحول إلى عالم متكامل من المنتجات. تصدر ألبومات للموسيقى التصويرية، وألعاب إلكترونية، ومنتجات مرتبطة بالشخصيات، بل قد تتكون جماهير مستقلة لبعض مكونات العمل، مثل محبي الموسيقى التصويرية الأصلية Original Soundtrack (OST).

ولا أعلم صناعة مرئية تقدم هذا التنوع الهائل بالقدر الذي تقدمه الرسوم اليابانية. فلا نرى مثلًا نشاط الكوسبلاي مرتبطًا بأفلام هوليوود أو المسلسلات الهندية بالحضور نفسه، ولا نرى دائمًا شهرة مماثلة لأغاني البداية والنهاية في تلك الأعمال، في حين تصبح موسيقى بعض أعمال الأنمي وحدها بابًا مستقلًا للإعجاب والمتابعة.

وهذا أحد أهم أسباب شدة تأثير الثقافة اليابانية في العالم اليوم. فالإتقان لا يتوقف عند القصة أو الرسم، بل يمتد إلى كل جزء من أجزاء المنتج، حتى يصبح لكل عنصر معجبوه وصناعته الخاصة.

ومن مسألة الإتقان ننتقل إلى النقطة التالية.

ثقافة الإتقان عند اليابانيين

من صميم الثقافة اليابانية ثقافة الإتقان وبذل الجهد والسعي والمحاولة. وهذه تيمة بارزة في كثير من الأعمال المشهورة، بل تقوم عليها أعمال كاملة، مثل أنمي My Hero Academia.

تنبع هذه الثقافة من فكرة أن الإنسان عليه أن يبذل أقصى ما لديه في العمل الموكل إليه، وأن يسعى إلى بلوغ أفضل درجة ممكنة مهما كان الأمر صعبًا، وأن يواصل العمل والمحاولة.

وهذا ما يجعل كثيرًا من الرسامين يختارون العمل في هذه الصناعة رغم أن مهنة الرسام ليست الأفضل لا ماديًا ولا إنسانيًا. فقد اتُّهمت استديوهات مشهورة بتشغيل الرسامين والموظفين لساعات إضافية متواصلة في ظروف قاسية وغير إنسانية، كما أن المهنة ذات سمعة سيئة من الناحية المادية. ومع ذلك، لا يؤدي هذا دائمًا إلى انسحاب جماعي من المجال.

وحسب ظني، فإن العامل الحاكم هنا ليس ماديًا فقط، بل قيمي أيضًا. فقد يحلم الشخص بأن يكون رسامًا، وأن يضع أثر يده في صناعة الأنمي، وأن يساهم في عمل يسعد الآخرين أو ينقل شيئًا من ثقافة بلده إلى العالم. وهذا ما يجعله يتحمل أعباء كثيرة.

لذلك قد تجد أشخاصًا لا يطلبون حياة مادية مرتفعة بقدر ما يطلبون قيمةً ودورًا في المجتمع، فيتبعون ما يريدونه ويبذلون فيه جهدًا كبيرًا ومتواصلًا.

وهذه الثقافة جزء مما جعل صناعة الأنمي تتشكل في اليابان على صورتها الحالية دون سواها.

أما الرسوم المتحركة الأمريكية فالصناعة فيها مختلفة، إذ تقوم بدرجة أكبر على الرأسمالية والربح. فإذا ربح العمل وحقق رواجًا استمر، وإذا لم يلقَ رواجًا تُرك. ولأن المسألة مادية في المقام الأول، يقل أحيانًا تنوع التجارب أو مخاطبة شرائح جديدة، وكأن الشريحة الآمنة التي تحقق الأرباح والمشاهدات هي وحدها التي تستحق الاستهداف.

ولهذا نجد عملًا أمريكيًا مثل Ben 10 قد تغيرت قصته وصورته الفنية بصورة كبيرة في بعض مراحله لاستعادة الفئة العمرية المستهدفة. فبعد أن كبر البطل ونضج مع مرور الأجزاء، أُعيد تقديمه بصورة أصغر سنًا لأن الجمهور المستهدف كان الأطفال، وغلبت حسابات الربح على استمرارية التطور السابق للعمل.

أما الأنمي الياباني فكثيرًا ما يخاطب شرائح أوسع، ويقدم قصصًا وتجارب أكثر تنوعًا، لأن الصناعة تتضمن قدرًا من الشغف والمخاطرة، إلى جانب الاعتبارات المادية.

في المقابل، كانت نسبة معتبرة من الأعمال الأمريكية الموجهة إلى الأطفال أو المراهقين تقوم على تبسيط الأفكار وتكرارها في قصص وشخصيات مختلفة: صراع ثنائي بين شرير صريح وبطل واضح، وقصة متوسطة أو تراجيديا محدودة تنتهي غالبًا بنهاية سعيدة. أما بنية الأنمي فمختلفة في جوانب كثيرة، ولا سيما في النهايات.

ولا داعي إلى إعادة المقارنة بين سلوكيات نابعة من ثقافة مجتمع كامل، وبين واقعنا العربي الذي تضعف فيه هذه القيم على مستويات كثيرة، مع أننا الأمة التي كان الأولى بها أن تتمثل معنى الإتقان، وأن تعلم العالم كيف يتقن الإنسان عمله في سبيل غاية أسمى تتجاوز الدنيا الفانية، وهي رضا الله سبحانه وتعالى.

وقد نشرت مقالًا عن تصور صناعة الإتقان في الأمة الإسلامية، ويمكن الرجوع إليه للاستزادة والحرص على تمثل هذه القيمة العظيمة في ثقافتنا التي تراجعت حتى كادت تختفي.

ثقافة التتابع وتوارث المشاريع

من الثقافة اليابانية أيضًا ما يمكن تسميته ثقافة التوارث أو التتابع. فالمشاريع طويلة الأمد تنتقل بين الأجيال مع الحفاظ على استمراريتها، ولا تكون رؤية الهدف النهائي محصورة بالضرورة في المخططين الأوائل أو الجيل الأول.

قد لا يرى المؤسسون النتيجة النهائية في حياتهم، ومع ذلك يبذلون جهدهم في حفظ المشروع واستمراره، ثم تتتابع الأجيال في تحقيق الهدف. ولا يكون الدافع الرئيس هو الظهور أو نسبة الإنجاز إلى شخص بعينه، أو تسجيل الاسم في التاريخ، بل قد يكون الهدف قيميًا: تحسين حياة الآخرين والمساهمة في مشروع أكبر، حتى لو كان المرء مجرد جزء منه، وحتى لو لم يُذكر اسمه أو يحصل على شكر خاص.

وهذا نوع من الإيثار والتضحية الصحية، ومن عدم ارتكاز المشاريع على المنهج الفردي.

أما في عدد من الحكومات العربية، فنرى أن كل نظام جديد ينهي مشروعات النظام السابق أو يهملها، ثم يبدأ من الصفر في صنع مشروعات قصيرة المدى يمكن افتتاحها في عهده، حتى ينسب الإنجاز إلى نفسه ويسجل اسمه في التاريخ.

تُهمل الأهداف طويلة الأمد، بل قد تُهدم إنجازات حسنة لمجرد أنها بدأت في عهد سابق. وقتل الجهود بهذه الصورة لا يخلق بيئات مستقرة ولا صناعات كبرى ولا تغييرات عميقة، لأن الأنانية في دخول التاريخ، وإثبات أن الحاكم أفضل ممن سبقه، شعور نابع من النقص أكثر من كونه بناءً حقيقيًا.

وفي اليابان توجد أهداف بدأت منذ عقود وما يزال العمل عليها جاريًا، وكل حكومة تسلمها إلى ما بعدها. وصناعة الأنمي من الصناعات التي تحتاج إلى بناء طويل للحصول على هيكلة ثابتة، ولا تتحقق بمجرد إنشاء شركة وإخراج منتجات تقلد المنتج الخارجي حرفيًا، مع استبدال الأسماء والأصوات والعنوان وشارة البداية بعناصر عربية.

ولذلك فإن هذا العامل الداعم للصناعة مفقود عندنا بشدة.

ضعف الانتماء إلى الثقافة العربية والإسلامية

من المؤسف أن تجد كثيرًا من المطالبين بوجود أعمال عربية تمثل ثقافتنا غارقين في ثقافات الآخرين، مع ضعف الانتماء الحقيقي إلى الثقافة العربية والإسلامية. فكيف ترغب في رؤية أعمال لثقافة تكاد لا تتمثلها في حياتك اليومية؟

لن أدخل هنا في معنى التمثل أو كيفية الاهتمام بالثقافة؛ لأن ذلك يحتاج إلى مقال مستقل. لكنني أرى أن الدافع وراء بعض هذه المطالبات ليس رغبة حقيقية في نشر الثقافة العربية، أو نشر ما نشعر بأنه يمثلنا ونتمثله في حياتنا، بل مجرد تعريف العالم بأننا موجودون، وأن لدينا صناعةً وتراثًا وثقافةً يمكن التباهي بها.

إنه تباهٍ خالٍ أحيانًا من التمثل أو الاهتمام بالتطبيق، أو معرفة الأصول والأخلاق والمناهج وطرق المحافظة على الثقافة. وهذا إشكال كبير. ولا عجب حينئذ أن تجد من لا يستطيع كتابة جملة صحيحة إملائيًا، لكنه في الوقت نفسه يطالب بأنمي عربي.

وعلى الجانب الآخر، توجد شريحة لا تطالب أصلًا بهذا النوع من الأعمال لأنها تبرأت سلفًا من الثقافة العربية والإسلامية. فهي، رغم حديثها بالعربية وانتسابها إلى أصول عربية، تمقت كثيرًا مما جاء في هذه الثقافة، وتخضع شبه كلي للثقافات الأخرى.

فتارة يقال إن العربية لا فائدة منها في عصر التقنية والذكاء الاصطناعي، وإن بنيتها ضعيفة ولا تحتمل المصطلحات العلمية. وتارة يُذم التراث العربي والإسلامي ويوصف بالتخلف والرجعية، ويُقدَّم «العم سام» مصدرًا وحيدًا للحل، وكأنه يعرف الإسلام أكثر من المسلمين الذين سبقونا، وهو الذي يحدد وحده ما هو حديث وما هو رجعي.

وعلى النقيض تمامًا، توجد شريحة ثالثة ترى أن هذه المطالبات وهذه الأعمال، بل هذا الفن كله، لا يعنينا، وأنه من المحرمات بسبب ما يتعلق برسم ذوات الأرواح وغيره من المسائل الفقهية الاجتهادية. وقد أدى هذا الموقف أحيانًا إلى نبذ هذه الفنون جملة، من غير تفصيل في كيفية التعامل معها أو ما يمكن قبوله منها وما لا يمكن.

وهذا الاستقطاب الحاد، والاختلاف المتباين في التعامل مع الفن والثقافة، يخلق قدرًا كبيرًا من التشتت، وينتهي غالبًا إلى ألا يُنجز شيء.

كل الأسباب السابقة توضح أن الصناعة في صورتها الحالية غير مجدية وغير محتملة لأسباب اجتماعية وثقافية وفكرية واقتصادية.

وفي القسم الثاني سنفترض أن كل الظروف المحيطة قد توفرت، وأننا أصبحنا قادرين على صناعة أنمي يقترب من مستوى أعمال شهيرة مثل قاتل الشياطين أو Jujutsu Kaisen. ومع ذلك سنسأل: حتى لو توفر كل شيء، لماذا قد لا ينبغي لنا الخوض في هذه الصناعة بالطريقة نفسها؟

ثانيًا: لماذا لا ينبغي الصناعة إذا كان المخرج كما نراه؟

مفارقة «سمت التفكير الأول»

مصطلح «سمت التفكير الأول» اصطلاح صغته استلهامًا من عبارة «سمت الكلام الأول» لشيخ البلاغيين محمد محمد أبو موسى، حفظه الله.

وما أقصده هو أن التفكير الأول حيال أمر ما لا يخرج عادة إلا من روافد سابقة. فالأفكار لا تخرج من العدم، وإنما تنشأ في بيئة خصبة ذات صفات معينة. وأي اختلال في هذه البيئة يؤثر في احتمال خروج فكرة بعينها من شخص بعينه. وكلما اتسعت مدارك المرء، زادت خصوبة عقله بسبب تعدد روافده.

أما فيما يتعلق بحديثنا، فإن كثيرًا من الأعمال اليابانية لم تخرج على صورتها إلا لأن البيئة الثقافية اليابانية كانت صالحة لهذا النوع من الأفكار. فالأعمال التي تحتوي على أفكار بوذية أو هندوسية، أو رؤية للكون مبنية عليهما، قد تخطر في عقل مؤلف ياباني بحكم ثقافته، لكنها لا تخطر بالطريقة نفسها في عقل مؤلف مسلم؛ لأن لديه من الروافد والأفكار ما يمنعه من التفكير على هذا النحو المخالف لما يعتقده.

وبالمثل، فإن كثيرًا من الأفكار والمناهج المعرفية التي أنشأها المسلمون في تقعيد العلوم واستخراجها من الملكات لم يكن من السهل أن تخرج من البيئات الأوروبية القديمة أو الشرقية؛ لأن التصورات الكنسية أو البوذية السائدة كانت قد تحول دون ظهور النوع نفسه من التفكير في الزمن نفسه.

المسألة طبع بشري محض. فكل إنسان لديه رؤيته ونظرته وإجابته عن الأسئلة الكبرى في الحياة. وتتشكل هذه الرؤية من مزيج فريد من المعتقدات، والأفكار، والثقافة المحلية، واللغة الأصلية، والظروف المناخية، والحالة الاجتماعية، والجنس، والتجارب الشخصية، ومستوى التحصيل الدراسي وتنوعه، والحالة النفسية، وغيرها.

كل ذلك يجعل عقل الإنسان خصبًا لأمور، ومثبطًا عن أمور أخرى. وكلما اختلفت هذه المشتركات، أصبح إنتاج الأفراد للفكرة نفسها أصعب. وكلما زادت المشتركات، تشابهت البيئة الخصبة وتشابهت الأفكار الناتجة.

لذلك لا عجب أن نجد أعمالًا يابانية كثيرة تتناول السياقات والأفكار نفسها بطرائق مختلفة، وفي فترات متزامنة تقل معها احتمالية النقل المباشر من أحد المؤلفين إلى الآخر. فالسبب هو تقارب طريقة التفكير والمدرسة اليابانية في التأليف القصصي.

ما أريد قوله إننا، عربًا ومسلمين، لسنا قريبين من اليابان أو الصين أو الولايات المتحدة أو كوريا من حيث البيئة الثقافية والفكرية. ومع ذلك ما زلنا نرغب في إنتاج أفكار حسب طريقتهم هم، ووفق بيئتهم الخصبة هم.

ونحن في الحقيقة لا نملك بعد بيئة خصبة خاصة بنا لإنتاج هذا النوع من القصص والشخصيات وطرائق طرح الأفكار في العمل المرئي؛ لأنه لم يوجد لدينا نموذج عربي راسخ سابق يمكن اتخاذه منهجًا، كما أن الأجيال السابقة لم تمر بتجربة مماثلة نستطيع استلهام طرائقها. فالأمر جديد كليًا علينا.

وبدلًا من أن نبدأ بتأسيس منهجنا، نحاول إنتاج قصص قريبة من أبطال الشونين، أو تقديم بطل شرير وسيئ الخلق في الوقت نفسه على هيئة Bad Boy كما في بعض المسلسلات، أو التعامل مع الشخصيات النسائية بالطريقة الغربية، أو الالتزام بمعاييرهم نفسها في الرسم والتحريك وجودة الألوان والإخراج.

وكأنهم هم الذين وضعوا لنا المنهج، وأخبرونا كيف نخصب التربة حتى تُخرج أنميًا كما فعلوا هم. وعندئذ لن تكون هذه أرضنا، ولن تكون حاملة لثقافتنا ومعتقداتنا، بل ستصبح أرضًا مشوهة تابعة لمنهج الآخرين.

المشكلة لا تخص الأنمي وحده

هذا الأمر لا يقتصر على الأعمال اليابانية، بل ينسحب على كثير من الأعمال المرئية العربية، من مسلسلات وأفلام. فكثيرًا ما لم نستطع تخيل هذه الفنون إلا كما تخيلها الغرب؛ لأن الغرب هو الذي صنع النماذج الأولى الحديثة منها، ثم أصبح من المفترض أن تكون لدينا البيئة الغربية نفسها حتى ننتج مثلها.

ولدينا نماذج عربية غير مبشرة لهذا التقليد، سواء في مسلسلات مثل بكار، الذي يتضمن أفكارًا وقصصًا قريبة من النموذج الغربي الموجه للأطفال، وإن جاءت في صورة وطنية تعليمية، أو في مسلسل مثل إمارة الإماراتي، الذي اقترب كثيرًا من الرسوم المتحركة الأمريكية من فئة الأكشن، سواء في تسلسل الأحداث أو شكل الشرير أو ماضي البطلة.

وكذلك في بعض أعمال شركة «مانجا» التي تحكي عن ثقافة العرب وبعض ملامحهم، لكنها خرجت بصبغة يابانية واضحة، سواء في تصوير القتالات، أو الإخراج، أو جذب المشاهد بعبارات عاطفية عن الاعتقاد والثبات وقت الصعاب.

هذا التقليد الأعمى لآليات الصناعة جعل من بعض هذه المنتجات نسخًا ضعيفة لا أكثر. والجمهور ينجذب عادة إلى المنتج الأصلي، لا إلى نسخة متأخرة منه.

ومن هنا يمكن القول إن صناعة الأنمي فكرة عبثية في السياق الحالي إذا كانت ستقوم على تقليد بلا منهج. وهذه المنهجية الخاصة بنا غير موجودة حتى الآن.

وإذا صدقت النية في إنتاج فن حقيقي يمثلنا، فعلينا أن نتخلى عن كثير مما يفعله الآخرون، وأن نختار طريقة عمل وعرض وقصصًا خارجة منا فعلًا، لا أن نقلد آلياتهم ثم نضع داخلها أفكارنا. وحتى لو وقع بعض الغرب في التقليد نفسه، فليس ذلك مبررًا لكي نقع فيه نحن أيضًا.

إن الصناعة بلا منهجية خاصة قد تجعل الواقع أكثر تشويهًا مما هو عليه، وتضيف جرحًا جديدًا إلى جراح المحتوى المرئي في بلادنا، إلى جانب ما نراه في المسلسلات والأفلام وغيرها.

الوسيلة جزء من الرسالة

كان هناك خلاف واسع بين المفكرين حول ما إذا كانت الوسيلة جزءًا من الرسالة أم مستقلة عنها. وقد استقر رأي واسع على أن الوسيلة لا تنفك عن الرسالة، بل تؤثر فيها وتدخل ضمن مكوناتها.

ومن هذا المنطلق، فإن وسيلة إنتاج أنمي عربي ستؤثر حتمًا في الرسالة المرجوة، مثل نشر الثقافة العربية أو تحسين معرفة الآخرين بالإسلام.

فإذا كانت الوسيلة نفسها مشبعة بمناهج الآخرين الذين وضعوا الأفكار والمعايير والطرائق التي شرحناها، فكيف تتحقق الرسالة وهي ملوثة من الداخل؟ وهل يمكن الوصول إلى الغاية المرجوة باستعمال هذا النوع من المحتوى المرئي على صورته المستوردة؟

استشراف: هل الأمل مفقود تمامًا؟ وهل نحن بحاجة إلى الأنمي أصلًا؟

في ظل الظروف الحالية، لا يمكن صناعة أنمي عربي حقيقي بالمعنى الأصيل، وكل ما سينتج، أو ما أُنتج بالفعل، قد يكون مجرد نسخ مقلدة وضعيفة من أفكار أصلية أجنبية، مع مظاهر عربية.

ومع ذلك، فإن محاولة إنتاج عمل أصيل تستحق الاهتمام إذا توفرت الجدية والفهم اللازمان للخروج من بوتقة التقليد.

وبرأيي، يتطلب الخروج من التقليد فهمًا عميقًا للتراث الإسلامي وللصناعات المرئية، إلى جانب القدرة على استخلاص صيغة جديدة لم يسبق إليها الآخرون. صيغة تنشأ من تفاعل طبيعي بين الأدوات المعاصرة والثقافة الإسلامية، وتنتج فنًا جديدًا مستمدًا منا، بدلًا من استعمال الأدوات الحديثة محملة بتوجيهاتها السابقة من غير نقد أو تعديل.

لكن يبقى سؤال آخر: هل نحن بحاجة أصلًا إلى تصدير نماذجنا إلى العالم في صورة رسوم متحركة كهذه؟

هل يجب أن نعبّر عن ثقافتنا وحضارتنا بالأسلوب نفسه من التحريك والأداء والنطق؟

برأيي، الأقرب أن نبتكر طريقة جديرة بتمثيل ثقافتنا وتصديرها إلى العالم، من غير أن نحصرها في المجال المرئي. فقد تكون الوسيلة الأنسب لتراثنا هي الكتب، أو نقل فكرة المتون إلى العالم في صورة معاصرة، أو الاستفادة من الشعر، أو أي وسيلة أخرى تنبع من داخل الثقافة نفسها.

المهم هو جذب الآخرين إلى ثقافتنا بوسيلة خارجة من داخلها، لا مفروضة عليها من خارجها.

ختامًا

أن يصنع الآخرون لنا المنتجات ونبقى نحن مجرد مستهلكين أمر غير مقبول. لكن القدرة على صناعة منتج مماثل ليست دائمًا هي الخيار الأفضل، ولا سيما إذا كانت الصناعة مقلدة ولا تحمل ابتكارًا حقيقيًا.

استطاعت اليابان أن تخرج بفنها الخاص بعيدًا عن الرسوم المتحركة الأمريكية. أخذت بعض أدوات الصناعة، ثم طورت طرائقها الخاصة في الرسم والإخراج وطرح الموضوعات والأفكار والسلوكيات المستمدة من ثقافتها، حتى صار الأنمي شيئًا مختلفًا بوضوح عن المنتج الأمريكي الأصلي.

ومع ذلك، كان الأنمي في بداياته أقرب إلى الرسوم المتحركة الأمريكية، ولعل أشهر مثال على ذلك شخصية Astro Boy.

إن تجربة اليابان في صناعة فن خاص بها تستحق النظر والاستفادة من بعض تفاصيلها. ورغم أن هذا النموذج ما يزال عرضة للنقد داخل اليابان نفسها، فإنه يظل نموذجًا اجتهاديًا قابلًا للتغيير إذا كانت الرسالة تقتضي ذلك.

فما بالك بنا نحن، حملة الوحي الأخير إلى العالمين، والمطالبين بتبليغه، وأن نكون خير أمة بين الأمم، وألا نكون فتنة للذين كفروا حتى لا ينفروا من الإقبال على دين رب العالمين؟

ألسنا أولى بأن نجتهد من داخل ثقافتنا، وأن نحاول صناعة ما يمثلنا فعلًا، وأن نخرج من حيز المستهلكين؟

منذ قرابة أسبوعين بدأ عرض أحد أبرز أعمال صيف 2026، وهو أنمي Jaadugar: A Witch in Mongolia، أو «حياة ساحرة في منغوليا» بالعربية. يقتبس العمل أحداثًا حقيقية عن فتاة مسلمة عاشت زمن الغزو المغولي للبلاد الإسلامية، وتحديدًا في مدينة طوس في القرن الثالث عشر.

بيعت فاطمة، التي تُدعى في المسلسل «إستانا» بالفارسية، جاريةً لعائلة من العلماء. وعلى الرغم من أنها حاولت الهروب في البداية، فإنهم علّموها قيمة المعرفة، فبقيت تعمل وتدرس في منزلهم. وبعد أن غادر وريث العائلة إلى نيسابور لمواصلة دراسته، غزا المغول مدينة طوس، فوقعت فاطمة في أسر جيش تولوي خان، وقُتل سيدها في أثناء حمايته لها. وبعد نقلها إلى منغوليا بدأت تفكر في الانتقام من المغول.

منذ الحلقة الأولى، بما احتوته من مشاهد تصوّر الحياة الإسلامية القديمة بصورة مغايرة لما اعتاده المشاهد، بدا أن مؤلفة العمل وطاقمه قد اطّلعوا على تفاصيل كثيرة من الثقافة الإسلامية، إلى جانب الثقافة المنغولية. وقد دفع هذا كثيرًا من المتابعين إلى طرح سؤال يتكرر منذ عقود، ولعله يعود إلى الحقبة التي كانت تُصدَّر إلينا فيها الأعمال الأجنبية عبر شبكة «سبيستون»:

إلى متى سننتظر قبل أن نصنع أعمالًا تضاهي أعمال الآخرين، وتعبّر عن ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا، كما تفعل دول كثيرة في مقدمتها اليابان والولايات المتحدة، ثم الصين وكوريا اللتان صعدت أعمالهما في السنوات الأخيرة إلى الساحة العالمية؟

أثارت المشاهد الجميلة والخلابة في الأنمي إعجاب المتابعين، حتى تمنى بعضهم لو كان هذا العمل من صنع أيدينا، لا من صنع غيرنا. ومما زاد هذا الشعور أن نهاية الحلقة الأولى تضمنت صوت الأذان في الساحة العامة للمدينة. وبحسب ما نُقل عن إنتاج المشهد، استعان الاستديو بشاب باكستاني حسن الصوت لتسجيل تلك الثواني القليلة، بدلًا من استعمال تسجيل متداول من الإنترنت، وهو ما عُدّ عند المتابعين دلالة على ثقافة الإتقان لدى اليابانيين.

ومن هنا نتناول في هذا المقال الأسئلة الآتية: هل يمكننا فعلًا صناعة أنمي، أو رسوم متحركة، قادر على التعبير عن ثقافتنا؟ وهل ينبغي لنا أن نفعل ذلك؟ وما العوائق التي تحول دونه؟

هل يمكننا صناعة الأنمي؟

في الحقيقة، يحتاج هذا السؤال إلى فهم مقصوده الحقيقي. فهو يعني في أصله: هل يمكننا أن نفعل ما يفعله اليابانيون؟ هل يمكننا صناعة أعمال تحظى بإعجاب العالم، وتبلغ مستوى معينًا من جودة الرسوم والتحريك والإثارة، أو من عمق القصة وجاذبية الشخصيات، مع التنوع الثقافي والفكري وتعدد النهايات؟ وهل يمكننا إبهار العالم بالطريقة نفسها التي أبهرونا بها؟

تدور هذه الأسئلة كلها في فلك واحد: التقليد، والصناعة، وإخراج منتج مشابه.

وظهور مثل هذه الأسئلة مفهوم في عصرنا؛ لأنها خرجت من رحم الانبهار. والانبهار قد يُنسي المرء معاييره وتوجهه وبوصلته، ويجعله يندمج فيما انبهر به من غير أن يسأل: هل يستحق هذا الأمر فعلًا كل هذا التقدير؟

وقد وقع شيء قريب من ذلك في القرون الأخيرة بعد الصدمات الحضارية التي أصابت العالم الإسلامي، سواء في المجال التقني أو السياسي أو العسكري أو الإداري. ومنذ تلك الصدمات بقيت الفكرة كامنة: ما دام الآخرون قد صاروا أفضل منا، على الأقل في المستوى الظاهري والمادي، بسبب هذه السلوكيات، فعلينا إذا أردنا بلوغ تقدمهم «الظاهري» أن نكون مثلهم، وأن نقلدهم، بل أن نعرف ماذا فعلوا وكيف فعلوه ثم نعيد إنتاجه. وكلما كان النموذج أشد إبهارًا، كان الميل إلى تقليده أشد.

وفي هذا المعنى تُنسب إلى ابن خلدون عبارته المشهورة عن ولع المغلوب بتقليد الغالب.

لذلك فإن إجابتي الإجمالية هي أننا لا نستطيع صناعة أنمي عربي بالمعنى الذي يُطرح به السؤال عادة، ولا ينبغي لنا أصلًا أن نفكر في الأمر بالطريقة نفسها التي تقوم عليها هذه الصناعة. فالصناعة في ذاتها، أو الإبهار والبهرجة، ليست غاية تستحق أن نعمل من أجلها لمجرد أنها مبهرة.

فالسحر، مثلًا، يتضمن نوعًا من خرق المألوف والإبهار البصري. فهل يجعل ذلك تعلمه أو ممارسته أمرًا مطلوبًا؟ ولو أن العالم بلغ تقدمًا ماديًا باستعمال السحر وما شابهه، فهل كنا سنقول إن علينا أن نفعل الشيء نفسه؟

سنفصّل الإجابة في قسمين:

  1. لماذا لا يمكن، في ظروفنا الحالية، صناعة أنمي عربي مماثل للصناعة اليابانية؟
  2. ولماذا لا ينبغي لنا الخوض في هذه الصناعة أصلًا إذا كان الناتج سيكون كما نراه في النماذج الحالية؟

أولًا: لماذا لا يمكن صناعة أنمي عربي؟

الدعم المؤسسي والحكومي

لا يخفى أن الحكومة اليابانية تدعم إنتاج الأعمال الفنية، وتقدم تسهيلات لعدد من الاستديوهات والمؤسسات ذات الصلة. أما في العالم العربي، فهذا النوع من الدعم غائب إلى حد كبير. والحكومات في الغالب لا تكترث ببناء مثل هذه الصناعات، وإذا ظهر دعم ما فإنه يكون هشًا، أو لا ينتمي إلى هوية حقيقية، بل يقدّم نسخة رديئة من المنتجات الخارجية.

ومن الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها بعض أعمال شركة «مانجا» السعودية، التي سعت إلى تقديم نسخة عربية من الرسوم المتحركة اليابانية. ورغم الدعم الحكومي والإمكانات الإنتاجية، بقيت بعض المخرجات والأفكار مشوهة، أو بدت أقرب إلى نسخ ضعيفة من القصص الأصلية.

وسنتطرق لاحقًا إلى المشكلة الكامنة في صناعة منتج قادم من ثقافة وفلسفة مغايرتين، ثم محاولة نقله كما هو مع تغيير المظاهر الخارجية فقط. فأخذ المنتج الخارجي بهيكله ومعاييره، ثم استبدال الأسماء والملامح والأصوات بعناصر عربية، لا يصنع منتجًا عربيًا حقيقيًا.

وينطبق شيء من ذلك على دعم وزارة الثقافة الجزائرية لمشروع الرسوم المتحركة في فيلم «خمسة: بئر النسيان»، الذي عُدّ من الأفلام العربية الأولى التي حصلت على جوائز خارج الوطن العربي. ومع وجود تقدم ملحوظ من ناحية الشكل الثقافي، لم يكن نجاحه كافيًا ليخلق نموذجًا إنتاجيًا قابلًا للتكرار.

وتبقى الكلفة أحد أكبر العوائق. فالعمل لم يحظَ بإقبال جماهيري واسع يضمن تكرار التجربة، وهذا مفهوم في ظل بقاء الجمهور العربي ميالًا إلى رؤية الجودة في الأعمال الخارجية. كما أن ضعف الإقبال يحكم مبكرًا على مثل هذه الأفلام بالخسارة، ومن هنا نصل إلى المشكلة الثانية.

التكلفة العامة للصناعة

قد يظن بعض الناس أن صناعة الأنمي صناعة رابحة، وأن إنتاج عمل واحد يضمن ربحًا مرتفعًا وشهرة وجماهيرية. وهذا فهم شائع، لكنه بعيد عن الواقع.

الصناعة اليابانية نفسها من أكثر الصناعات تذبذبًا، واحتمال الخسارة فيها مرتفع. وبين حين وآخر تُفتح استديوهات وتُغلق أخرى بسبب الديون، أو بسبب إنتاج أعمال لم تستطع حتى تغطية تكاليفها. لذلك فالأنمي ليس صناعة محببة لجميع المستثمرين، كما أن فرص الوصول إلى الشهرة ليست كبيرة كما يتخيل المشاهد من الخارج.

في كل موسم يُعرض عدد كبير من أعمال الأنمي، وتخوض هذه الأعمال صراعًا على صدارة الشعبية طوال ثلاثة أشهر تقريبًا. ومع ذلك، لا تستقر الشعبية في النهاية إلا لعدد محدود من الأعمال، ربما خمسة أعمال أو نحوها، بينما تتفاوت بقية الأعمال بين القبول المحدود والهجر شبه الكامل.

فهل تخرج جميع الاستديوهات التي أنتجت تلك الأعمال من الموسم بالقدر نفسه من الربح؟ وهل لاحظنا كم عملًا لا يُقرر إنتاج أجزاء جديدة له؟

إن خروج عمل ياباني إلى الواجهة لا يعتمد على الاستديو وحده، بل يتطلب مغامرة كبيرة ومشاركة أطراف عديدة، بحيث تتوزع الخسارة ولا تقع على طرف واحد، ويتكاتف الجميع في إنجاح المشروع لأن مصيرهم مرتبط به. وهذا ما عُرف لاحقًا في صناعة الأنمي باسم «لجان الإنتاج».

وتتكون لجنة الإنتاج عادة من ممثلين عن الاستديو، والناشر أو صاحب العمل الأصلي، وشركات الإعلان، والمستثمرين، وشركات الألعاب، وشركات الإنتاج الموسيقي، وغيرها من الجهات التي تستفيد من نجاح العمل.

ولك أن تتخيل أن تاريخ صناعة الأنمي يضم آلاف الأعمال، في حين أن شهرة هذه الصناعة وانبهار العالم بها ارتبطا بنسبة محدودة منها. فالأعمال التي صنعت الصورة العالمية للأنمي لا تمثل إلا أقلية وسط آلاف الأعمال الفاشلة أو الخاسرة أو المجهولة أو محدودة الشعبية.

فإذا أردنا قياس هذا الأمر على واقعنا، فعلينا أن نسأل: هل نستطيع تقليد اليابانيين حتى في خسائرهم؟ هل نستطيع أن نمر بمراحل طويلة من التجربة والفشل، وأن نتحمل الكلفة حتى نصل إلى المستوى الحالي؟ لا أظن ذلك.

إن هذه الصناعة تحتاج إلى جو إنتاجي يقبل المخاطرة والخسارة، ويستمر في إنتاج المزيد على أمل أن يظهر عمل يصنع الفارق، فيعوض بعض الخسائر أو يسمح باستمرار المؤسسة في السوق.

ولا مجال للمقارنة بين بيئة ابتكرت وسائل لتقليل الخسارة، مثل جمع عدد من الشركات في لجان الإنتاج، أو اختصار القصة أحيانًا لإنهائها في عدد أقل من الحلقات، أو تقسيم العمل إلى مواسم متعددة لقياس استجابة الجمهور قبل الاستمرار، وبين بيئتنا التي بالكاد تمتلك أصلًا صناعة مستقرة في هذا المجال.

المنتجات الثانوية وثقافة الملحقات

من أشهر وسائل تحقيق الأرباح وتقليل احتمال الخسارة في صناعة الأنمي القدرة على استخراج محتوى ثانوي من العمل. فالاستديو لا يقدم العمل وحده، بل قد يقدّم معه ألعابًا، وإكسسوارات، ومنتجات موسيقية، ودمى، وملابس، وديكورات تحمل شخصيات العمل، إلى جانب نشاطات الكوسبلاي وغيرها.

كل أنمي ناجح قد يتحول إلى عالم متكامل من المنتجات. تصدر ألبومات للموسيقى التصويرية، وألعاب إلكترونية، ومنتجات مرتبطة بالشخصيات، بل قد تتكون جماهير مستقلة لبعض مكونات العمل، مثل محبي الموسيقى التصويرية الأصلية Original Soundtrack (OST).

ولا أعلم صناعة مرئية تقدم هذا التنوع الهائل بالقدر الذي تقدمه الرسوم اليابانية. فلا نرى مثلًا نشاط الكوسبلاي مرتبطًا بأفلام هوليوود أو المسلسلات الهندية بالحضور نفسه، ولا نرى دائمًا شهرة مماثلة لأغاني البداية والنهاية في تلك الأعمال، في حين تصبح موسيقى بعض أعمال الأنمي وحدها بابًا مستقلًا للإعجاب والمتابعة.

وهذا أحد أهم أسباب شدة تأثير الثقافة اليابانية في العالم اليوم. فالإتقان لا يتوقف عند القصة أو الرسم، بل يمتد إلى كل جزء من أجزاء المنتج، حتى يصبح لكل عنصر معجبوه وصناعته الخاصة.

ومن مسألة الإتقان ننتقل إلى النقطة التالية.

ثقافة الإتقان عند اليابانيين

من صميم الثقافة اليابانية ثقافة الإتقان وبذل الجهد والسعي والمحاولة. وهذه تيمة بارزة في كثير من الأعمال المشهورة، بل تقوم عليها أعمال كاملة، مثل أنمي My Hero Academia.

تنبع هذه الثقافة من فكرة أن الإنسان عليه أن يبذل أقصى ما لديه في العمل الموكل إليه، وأن يسعى إلى بلوغ أفضل درجة ممكنة مهما كان الأمر صعبًا، وأن يواصل العمل والمحاولة.

وهذا ما يجعل كثيرًا من الرسامين يختارون العمل في هذه الصناعة رغم أن مهنة الرسام ليست الأفضل لا ماديًا ولا إنسانيًا. فقد اتُّهمت استديوهات مشهورة بتشغيل الرسامين والموظفين لساعات إضافية متواصلة في ظروف قاسية وغير إنسانية، كما أن المهنة ذات سمعة سيئة من الناحية المادية. ومع ذلك، لا يؤدي هذا دائمًا إلى انسحاب جماعي من المجال.

وحسب ظني، فإن العامل الحاكم هنا ليس ماديًا فقط، بل قيمي أيضًا. فقد يحلم الشخص بأن يكون رسامًا، وأن يضع أثر يده في صناعة الأنمي، وأن يساهم في عمل يسعد الآخرين أو ينقل شيئًا من ثقافة بلده إلى العالم. وهذا ما يجعله يتحمل أعباء كثيرة.

لذلك قد تجد أشخاصًا لا يطلبون حياة مادية مرتفعة بقدر ما يطلبون قيمةً ودورًا في المجتمع، فيتبعون ما يريدونه ويبذلون فيه جهدًا كبيرًا ومتواصلًا.

وهذه الثقافة جزء مما جعل صناعة الأنمي تتشكل في اليابان على صورتها الحالية دون سواها.

أما الرسوم المتحركة الأمريكية فالصناعة فيها مختلفة، إذ تقوم بدرجة أكبر على الرأسمالية والربح. فإذا ربح العمل وحقق رواجًا استمر، وإذا لم يلقَ رواجًا تُرك. ولأن المسألة مادية في المقام الأول، يقل أحيانًا تنوع التجارب أو مخاطبة شرائح جديدة، وكأن الشريحة الآمنة التي تحقق الأرباح والمشاهدات هي وحدها التي تستحق الاستهداف.

ولهذا نجد عملًا أمريكيًا مثل Ben 10 قد تغيرت قصته وصورته الفنية بصورة كبيرة في بعض مراحله لاستعادة الفئة العمرية المستهدفة. فبعد أن كبر البطل ونضج مع مرور الأجزاء، أُعيد تقديمه بصورة أصغر سنًا لأن الجمهور المستهدف كان الأطفال، وغلبت حسابات الربح على استمرارية التطور السابق للعمل.

أما الأنمي الياباني فكثيرًا ما يخاطب شرائح أوسع، ويقدم قصصًا وتجارب أكثر تنوعًا، لأن الصناعة تتضمن قدرًا من الشغف والمخاطرة، إلى جانب الاعتبارات المادية.

في المقابل، كانت نسبة معتبرة من الأعمال الأمريكية الموجهة إلى الأطفال أو المراهقين تقوم على تبسيط الأفكار وتكرارها في قصص وشخصيات مختلفة: صراع ثنائي بين شرير صريح وبطل واضح، وقصة متوسطة أو تراجيديا محدودة تنتهي غالبًا بنهاية سعيدة. أما بنية الأنمي فمختلفة في جوانب كثيرة، ولا سيما في النهايات.

ولا داعي إلى إعادة المقارنة بين سلوكيات نابعة من ثقافة مجتمع كامل، وبين واقعنا العربي الذي تضعف فيه هذه القيم على مستويات كثيرة، مع أننا الأمة التي كان الأولى بها أن تتمثل معنى الإتقان، وأن تعلم العالم كيف يتقن الإنسان عمله في سبيل غاية أسمى تتجاوز الدنيا الفانية، وهي رضا الله سبحانه وتعالى.

وقد نشرت مقالًا عن تصور صناعة الإتقان في الأمة الإسلامية، ويمكن الرجوع إليه للاستزادة والحرص على تمثل هذه القيمة العظيمة في ثقافتنا التي تراجعت حتى كادت تختفي.

ثقافة التتابع وتوارث المشاريع

من الثقافة اليابانية أيضًا ما يمكن تسميته ثقافة التوارث أو التتابع. فالمشاريع طويلة الأمد تنتقل بين الأجيال مع الحفاظ على استمراريتها، ولا تكون رؤية الهدف النهائي محصورة بالضرورة في المخططين الأوائل أو الجيل الأول.

قد لا يرى المؤسسون النتيجة النهائية في حياتهم، ومع ذلك يبذلون جهدهم في حفظ المشروع واستمراره، ثم تتتابع الأجيال في تحقيق الهدف. ولا يكون الدافع الرئيس هو الظهور أو نسبة الإنجاز إلى شخص بعينه، أو تسجيل الاسم في التاريخ، بل قد يكون الهدف قيميًا: تحسين حياة الآخرين والمساهمة في مشروع أكبر، حتى لو كان المرء مجرد جزء منه، وحتى لو لم يُذكر اسمه أو يحصل على شكر خاص.

وهذا نوع من الإيثار والتضحية الصحية، ومن عدم ارتكاز المشاريع على المنهج الفردي.

أما في عدد من الحكومات العربية، فنرى أن كل نظام جديد ينهي مشروعات النظام السابق أو يهملها، ثم يبدأ من الصفر في صنع مشروعات قصيرة المدى يمكن افتتاحها في عهده، حتى ينسب الإنجاز إلى نفسه ويسجل اسمه في التاريخ.

تُهمل الأهداف طويلة الأمد، بل قد تُهدم إنجازات حسنة لمجرد أنها بدأت في عهد سابق. وقتل الجهود بهذه الصورة لا يخلق بيئات مستقرة ولا صناعات كبرى ولا تغييرات عميقة، لأن الأنانية في دخول التاريخ، وإثبات أن الحاكم أفضل ممن سبقه، شعور نابع من النقص أكثر من كونه بناءً حقيقيًا.

وفي اليابان توجد أهداف بدأت منذ عقود وما يزال العمل عليها جاريًا، وكل حكومة تسلمها إلى ما بعدها. وصناعة الأنمي من الصناعات التي تحتاج إلى بناء طويل للحصول على هيكلة ثابتة، ولا تتحقق بمجرد إنشاء شركة وإخراج منتجات تقلد المنتج الخارجي حرفيًا، مع استبدال الأسماء والأصوات والعنوان وشارة البداية بعناصر عربية.

ولذلك فإن هذا العامل الداعم للصناعة مفقود عندنا بشدة.

ضعف الانتماء إلى الثقافة العربية والإسلامية

من المؤسف أن تجد كثيرًا من المطالبين بوجود أعمال عربية تمثل ثقافتنا غارقين في ثقافات الآخرين، مع ضعف الانتماء الحقيقي إلى الثقافة العربية والإسلامية. فكيف ترغب في رؤية أعمال لثقافة تكاد لا تتمثلها في حياتك اليومية؟

لن أدخل هنا في معنى التمثل أو كيفية الاهتمام بالثقافة؛ لأن ذلك يحتاج إلى مقال مستقل. لكنني أرى أن الدافع وراء بعض هذه المطالبات ليس رغبة حقيقية في نشر الثقافة العربية، أو نشر ما نشعر بأنه يمثلنا ونتمثله في حياتنا، بل مجرد تعريف العالم بأننا موجودون، وأن لدينا صناعةً وتراثًا وثقافةً يمكن التباهي بها.

إنه تباهٍ خالٍ أحيانًا من التمثل أو الاهتمام بالتطبيق، أو معرفة الأصول والأخلاق والمناهج وطرق المحافظة على الثقافة. وهذا إشكال كبير. ولا عجب حينئذ أن تجد من لا يستطيع كتابة جملة صحيحة إملائيًا، لكنه في الوقت نفسه يطالب بأنمي عربي.

وعلى الجانب الآخر، توجد شريحة لا تطالب أصلًا بهذا النوع من الأعمال لأنها تبرأت سلفًا من الثقافة العربية والإسلامية. فهي، رغم حديثها بالعربية وانتسابها إلى أصول عربية، تمقت كثيرًا مما جاء في هذه الثقافة، وتخضع شبه كلي للثقافات الأخرى.

فتارة يقال إن العربية لا فائدة منها في عصر التقنية والذكاء الاصطناعي، وإن بنيتها ضعيفة ولا تحتمل المصطلحات العلمية. وتارة يُذم التراث العربي والإسلامي ويوصف بالتخلف والرجعية، ويُقدَّم «العم سام» مصدرًا وحيدًا للحل، وكأنه يعرف الإسلام أكثر من المسلمين الذين سبقونا، وهو الذي يحدد وحده ما هو حديث وما هو رجعي.

وعلى النقيض تمامًا، توجد شريحة ثالثة ترى أن هذه المطالبات وهذه الأعمال، بل هذا الفن كله، لا يعنينا، وأنه من المحرمات بسبب ما يتعلق برسم ذوات الأرواح وغيره من المسائل الفقهية الاجتهادية. وقد أدى هذا الموقف أحيانًا إلى نبذ هذه الفنون جملة، من غير تفصيل في كيفية التعامل معها أو ما يمكن قبوله منها وما لا يمكن.

وهذا الاستقطاب الحاد، والاختلاف المتباين في التعامل مع الفن والثقافة، يخلق قدرًا كبيرًا من التشتت، وينتهي غالبًا إلى ألا يُنجز شيء.

كل الأسباب السابقة توضح أن الصناعة في صورتها الحالية غير مجدية وغير محتملة لأسباب اجتماعية وثقافية وفكرية واقتصادية.

وفي القسم الثاني سنفترض أن كل الظروف المحيطة قد توفرت، وأننا أصبحنا قادرين على صناعة أنمي يقترب من مستوى أعمال شهيرة مثل قاتل الشياطين أو Jujutsu Kaisen. ومع ذلك سنسأل: حتى لو توفر كل شيء، لماذا قد لا ينبغي لنا الخوض في هذه الصناعة بالطريقة نفسها؟

ثانيًا: لماذا لا ينبغي الصناعة إذا كان المخرج كما نراه؟

مفارقة «سمت التفكير الأول»

مصطلح «سمت التفكير الأول» اصطلاح صغته استلهامًا من عبارة «سمت الكلام الأول» لشيخ البلاغيين محمد محمد أبو موسى، حفظه الله.

وما أقصده هو أن التفكير الأول حيال أمر ما لا يخرج عادة إلا من روافد سابقة. فالأفكار لا تخرج من العدم، وإنما تنشأ في بيئة خصبة ذات صفات معينة. وأي اختلال في هذه البيئة يؤثر في احتمال خروج فكرة بعينها من شخص بعينه. وكلما اتسعت مدارك المرء، زادت خصوبة عقله بسبب تعدد روافده.

أما فيما يتعلق بحديثنا، فإن كثيرًا من الأعمال اليابانية لم تخرج على صورتها إلا لأن البيئة الثقافية اليابانية كانت صالحة لهذا النوع من الأفكار. فالأعمال التي تحتوي على أفكار بوذية أو هندوسية، أو رؤية للكون مبنية عليهما، قد تخطر في عقل مؤلف ياباني بحكم ثقافته، لكنها لا تخطر بالطريقة نفسها في عقل مؤلف مسلم؛ لأن لديه من الروافد والأفكار ما يمنعه من التفكير على هذا النحو المخالف لما يعتقده.

وبالمثل، فإن كثيرًا من الأفكار والمناهج المعرفية التي أنشأها المسلمون في تقعيد العلوم واستخراجها من الملكات لم يكن من السهل أن تخرج من البيئات الأوروبية القديمة أو الشرقية؛ لأن التصورات الكنسية أو البوذية السائدة كانت قد تحول دون ظهور النوع نفسه من التفكير في الزمن نفسه.

المسألة طبع بشري محض. فكل إنسان لديه رؤيته ونظرته وإجابته عن الأسئلة الكبرى في الحياة. وتتشكل هذه الرؤية من مزيج فريد من المعتقدات، والأفكار، والثقافة المحلية، واللغة الأصلية، والظروف المناخية، والحالة الاجتماعية، والجنس، والتجارب الشخصية، ومستوى التحصيل الدراسي وتنوعه، والحالة النفسية، وغيرها.

كل ذلك يجعل عقل الإنسان خصبًا لأمور، ومثبطًا عن أمور أخرى. وكلما اختلفت هذه المشتركات، أصبح إنتاج الأفراد للفكرة نفسها أصعب. وكلما زادت المشتركات، تشابهت البيئة الخصبة وتشابهت الأفكار الناتجة.

لذلك لا عجب أن نجد أعمالًا يابانية كثيرة تتناول السياقات والأفكار نفسها بطرائق مختلفة، وفي فترات متزامنة تقل معها احتمالية النقل المباشر من أحد المؤلفين إلى الآخر. فالسبب هو تقارب طريقة التفكير والمدرسة اليابانية في التأليف القصصي.

ما أريد قوله إننا، عربًا ومسلمين، لسنا قريبين من اليابان أو الصين أو الولايات المتحدة أو كوريا من حيث البيئة الثقافية والفكرية. ومع ذلك ما زلنا نرغب في إنتاج أفكار حسب طريقتهم هم، ووفق بيئتهم الخصبة هم.

ونحن في الحقيقة لا نملك بعد بيئة خصبة خاصة بنا لإنتاج هذا النوع من القصص والشخصيات وطرائق طرح الأفكار في العمل المرئي؛ لأنه لم يوجد لدينا نموذج عربي راسخ سابق يمكن اتخاذه منهجًا، كما أن الأجيال السابقة لم تمر بتجربة مماثلة نستطيع استلهام طرائقها. فالأمر جديد كليًا علينا.

وبدلًا من أن نبدأ بتأسيس منهجنا، نحاول إنتاج قصص قريبة من أبطال الشونين، أو تقديم بطل شرير وسيئ الخلق في الوقت نفسه على هيئة Bad Boy كما في بعض المسلسلات، أو التعامل مع الشخصيات النسائية بالطريقة الغربية، أو الالتزام بمعاييرهم نفسها في الرسم والتحريك وجودة الألوان والإخراج.

وكأنهم هم الذين وضعوا لنا المنهج، وأخبرونا كيف نخصب التربة حتى تُخرج أنميًا كما فعلوا هم. وعندئذ لن تكون هذه أرضنا، ولن تكون حاملة لثقافتنا ومعتقداتنا، بل ستصبح أرضًا مشوهة تابعة لمنهج الآخرين.

المشكلة لا تخص الأنمي وحده

هذا الأمر لا يقتصر على الأعمال اليابانية، بل ينسحب على كثير من الأعمال المرئية العربية، من مسلسلات وأفلام. فكثيرًا ما لم نستطع تخيل هذه الفنون إلا كما تخيلها الغرب؛ لأن الغرب هو الذي صنع النماذج الأولى الحديثة منها، ثم أصبح من المفترض أن تكون لدينا البيئة الغربية نفسها حتى ننتج مثلها.

ولدينا نماذج عربية غير مبشرة لهذا التقليد، سواء في مسلسلات مثل بكار، الذي يتضمن أفكارًا وقصصًا قريبة من النموذج الغربي الموجه للأطفال، وإن جاءت في صورة وطنية تعليمية، أو في مسلسل مثل إمارة الإماراتي، الذي اقترب كثيرًا من الرسوم المتحركة الأمريكية من فئة الأكشن، سواء في تسلسل الأحداث أو شكل الشرير أو ماضي البطلة.

وكذلك في بعض أعمال شركة «مانجا» التي تحكي عن ثقافة العرب وبعض ملامحهم، لكنها خرجت بصبغة يابانية واضحة، سواء في تصوير القتالات، أو الإخراج، أو جذب المشاهد بعبارات عاطفية عن الاعتقاد والثبات وقت الصعاب.

هذا التقليد الأعمى لآليات الصناعة جعل من بعض هذه المنتجات نسخًا ضعيفة لا أكثر. والجمهور ينجذب عادة إلى المنتج الأصلي، لا إلى نسخة متأخرة منه.

ومن هنا يمكن القول إن صناعة الأنمي فكرة عبثية في السياق الحالي إذا كانت ستقوم على تقليد بلا منهج. وهذه المنهجية الخاصة بنا غير موجودة حتى الآن.

وإذا صدقت النية في إنتاج فن حقيقي يمثلنا، فعلينا أن نتخلى عن كثير مما يفعله الآخرون، وأن نختار طريقة عمل وعرض وقصصًا خارجة منا فعلًا، لا أن نقلد آلياتهم ثم نضع داخلها أفكارنا. وحتى لو وقع بعض الغرب في التقليد نفسه، فليس ذلك مبررًا لكي نقع فيه نحن أيضًا.

إن الصناعة بلا منهجية خاصة قد تجعل الواقع أكثر تشويهًا مما هو عليه، وتضيف جرحًا جديدًا إلى جراح المحتوى المرئي في بلادنا، إلى جانب ما نراه في المسلسلات والأفلام وغيرها.

الوسيلة جزء من الرسالة

كان هناك خلاف واسع بين المفكرين حول ما إذا كانت الوسيلة جزءًا من الرسالة أم مستقلة عنها. وقد استقر رأي واسع على أن الوسيلة لا تنفك عن الرسالة، بل تؤثر فيها وتدخل ضمن مكوناتها.

ومن هذا المنطلق، فإن وسيلة إنتاج أنمي عربي ستؤثر حتمًا في الرسالة المرجوة، مثل نشر الثقافة العربية أو تحسين معرفة الآخرين بالإسلام.

فإذا كانت الوسيلة نفسها مشبعة بمناهج الآخرين الذين وضعوا الأفكار والمعايير والطرائق التي شرحناها، فكيف تتحقق الرسالة وهي ملوثة من الداخل؟ وهل يمكن الوصول إلى الغاية المرجوة باستعمال هذا النوع من المحتوى المرئي على صورته المستوردة؟

استشراف: هل الأمل مفقود تمامًا؟ وهل نحن بحاجة إلى الأنمي أصلًا؟

في ظل الظروف الحالية، لا يمكن صناعة أنمي عربي حقيقي بالمعنى الأصيل، وكل ما سينتج، أو ما أُنتج بالفعل، قد يكون مجرد نسخ مقلدة وضعيفة من أفكار أصلية أجنبية، مع مظاهر عربية.

ومع ذلك، فإن محاولة إنتاج عمل أصيل تستحق الاهتمام إذا توفرت الجدية والفهم اللازمان للخروج من بوتقة التقليد.

وبرأيي، يتطلب الخروج من التقليد فهمًا عميقًا للتراث الإسلامي وللصناعات المرئية، إلى جانب القدرة على استخلاص صيغة جديدة لم يسبق إليها الآخرون. صيغة تنشأ من تفاعل طبيعي بين الأدوات المعاصرة والثقافة الإسلامية، وتنتج فنًا جديدًا مستمدًا منا، بدلًا من استعمال الأدوات الحديثة محملة بتوجيهاتها السابقة من غير نقد أو تعديل.

لكن يبقى سؤال آخر: هل نحن بحاجة أصلًا إلى تصدير نماذجنا إلى العالم في صورة رسوم متحركة كهذه؟

هل يجب أن نعبّر عن ثقافتنا وحضارتنا بالأسلوب نفسه من التحريك والأداء والنطق؟

برأيي، الأقرب أن نبتكر طريقة جديرة بتمثيل ثقافتنا وتصديرها إلى العالم، من غير أن نحصرها في المجال المرئي. فقد تكون الوسيلة الأنسب لتراثنا هي الكتب، أو نقل فكرة المتون إلى العالم في صورة معاصرة، أو الاستفادة من الشعر، أو أي وسيلة أخرى تنبع من داخل الثقافة نفسها.

المهم هو جذب الآخرين إلى ثقافتنا بوسيلة خارجة من داخلها، لا مفروضة عليها من خارجها.

ختامًا

أن يصنع الآخرون لنا المنتجات ونبقى نحن مجرد مستهلكين أمر غير مقبول. لكن القدرة على صناعة منتج مماثل ليست دائمًا هي الخيار الأفضل، ولا سيما إذا كانت الصناعة مقلدة ولا تحمل ابتكارًا حقيقيًا.

استطاعت اليابان أن تخرج بفنها الخاص بعيدًا عن الرسوم المتحركة الأمريكية. أخذت بعض أدوات الصناعة، ثم طورت طرائقها الخاصة في الرسم والإخراج وطرح الموضوعات والأفكار والسلوكيات المستمدة من ثقافتها، حتى صار الأنمي شيئًا مختلفًا بوضوح عن المنتج الأمريكي الأصلي.

ومع ذلك، كان الأنمي في بداياته أقرب إلى الرسوم المتحركة الأمريكية، ولعل أشهر مثال على ذلك شخصية Astro Boy.

إن تجربة اليابان في صناعة فن خاص بها تستحق النظر والاستفادة من بعض تفاصيلها. ورغم أن هذا النموذج ما يزال عرضة للنقد داخل اليابان نفسها، فإنه يظل نموذجًا اجتهاديًا قابلًا للتغيير إذا كانت الرسالة تقتضي ذلك.

فما بالك بنا نحن، حملة الوحي الأخير إلى العالمين، والمطالبين بتبليغه، وأن نكون خير أمة بين الأمم، وألا نكون فتنة للذين كفروا حتى لا ينفروا من الإقبال على دين رب العالمين؟

ألسنا أولى بأن نجتهد من داخل ثقافتنا، وأن نحاول صناعة ما يمثلنا فعلًا، وأن نخرج من حيز المستهلكين؟