من الملاحظ أن العلم هو السبيل الى الغايات المطلوبة إجمالاً، فلا يمكن بلوغ أي هدف دنيوي أو اخروي، إلا بالعلم، وهذا أمر يمكن استنتاجه حتى من غير المسلمين، فتلك التنقية والإبتكارات المادية التي نشهدها في هذا العصر، ما أتت إلا بتصور مسبق للعلم، وممارسة العلم، وبناء على التصور والأفكار المسبقة تتعامل مع العلم وما أنواعه وأقسامه التي تهتم بها، وكذلك الأمر تصورك المسبق سيحدد لك لتعريف مسبق ما العلم؟ وما معايير إطلاق على هذا العلم عِلما؟ فالعلم هو سبيل وليس غاية، في ذاتها على الأقل في أغلب التصورات التي طرحت العلم وممارساته.

سنستعرض في هذا المقال مقتطفات في سياق التعلم والعلم وسننه في الكون، وما يتعلق به في حياة المسلم في الدار الدنيا في سبيل تحفيز الرغبة الداخلية في التعلم وبالتالي القيام ببعض الغايات الصحيحة، معتمدين على المصادر والمراجع التي وضعت في أسفل المقالة في تحصيل وتفريغ الأفكار، يرجى الإطلاع اليها والانتفاع للاستزادة.

ستكون هذا المقال هو المقال التمهيدي للسلسلة مقالات بعنوان: المدخل الى طلب العلم. أرجو أن تكون ذا نفع للجميع.

حديث: «بادروا بالأعمال سبعًا»

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا مُنسيًا، أو غنىً مُطغيًا، أو مرضًا مُفسدًا، أو هرمًا مُفنّدًا، أو موتًا مُجهزًا، أو الدجال فشر غائب يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرّ».

هذا الحديث يضع أمام الإنسان سبعة موانع أو أخطار قد تمنعه من العمل والمبادرة. كأنه يقول لك: ما الذي تنتظره حتى تعمل؟ ما الذي تنتظره حتى تطلب العلم؟ ما الذي تنتظره حتى تبادر بالصالحات؟ أتنتظر الفقر؟ أم الغنى؟ أم المرض؟ أم الهرم؟ أم الموت؟ أم فتنة الدجال؟ أم الساعة؟

دعونا نتأمل هذه المعاني واحدًا واحدًا.

أولًا: فقرًا مُنسيًا

الفقر قد يُنسي الإنسان نفسه. الفقير المعدم، الذي لا يجد ضروريات حياته، قد لا يستطيع أن يفكر في طلب العلم، ولا في المبادرات، ولا في إصلاح المجتمع، ولا في الأعمال الصالحة الواسعة؛ لأنه مشغول بالسؤال المباشر: ماذا آكل؟ كيف أعيش؟ كيف أطعم أبنائي؟ فإذا جاءك الفقر، فقد يحاصرك من كل جهة، فلا تجد من نفسك قدرة على المبادرة. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فقرًا مُنسيًا»؛ لأنه قد ينسيك ما كنت تعرفه، وينسيك همتك، وينسيك نفسك.

ثانيًا: غنىً مُطغيًا

وقد يظن الإنسان أن المشكلة في الفقر وحده، وأنه إذا صار غنيًا سيتفرغ للعمل الصالح والعلم والخير. لكن الغنى أيضًا فتنة. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ مجرد شعور الإنسان بالغنى قد يغيّره. قد يجعله يحتقر الناس، أو يظن أن الفقراء فقراء لأنهم كسالى، وأنه هو إنما وصل لأنه أذكى وأجتهد أكثر.

كثير من الناس حين ينتقلون من حال إلى حال لا ينتبهون إلى أن أفكارهم ومشاعرهم تغيرت. مثال ذلك: شخص كان يركب الدرجة الثانية في القطار، وكان يستغرب ممن يدفعون أضعاف التذكرة من أجل درجة أعلى. ثم لما تحسنت أحواله وركب الدرجة الأولى، صار يستغرب ممن لا يدفعون الفرق البسيط في نظره، وينسى أن هذا الفرق نفسه كان في يوم من الأيام كبيرًا عنده. المشكلة ليست في المال ذاته، بل في أن المال قد يغيّر معيار الإنسان من غير أن يشعر.

ثالثًا: مرضًا مُفسدًا

ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مرضًا مُفسدًا». المرض قد يفسد على الإنسان همته، وعبادته، وحركته، وقدرته على العمل. وما من إنسان إلا وقد ذاق شيئًا من معنى المرض: لحظة ضعف، أو ألم، أو عجز، أو نوم ثقيل، أو حيرة، أو خوف.

حين يمرض الإنسان ويجلس في بيته أو فراشه لا يكاد يرى أمامه، هل يستطيع أن تطلب منه مبادرة عظيمة؟ هل تحدثه عن العلم والعمل والخير؟ غالبًا سيقول لك: لا أستطيع. ثم إذا عافاه الله، نسي ما كان فيه، وعاد كما كان. فالحديث ينبهك: قبل أن يأتيك المرض، اعمل. قبل أن يفسد عليك المرض قوتك ووقتك وهمتك، بادر.

رابعًا: هرمًا مُفنّدًا

ثم يقول: «أو هرمًا مُفنّدًا». قد يطول عمر الإنسان، لكنه يصل إلى مرحلة يفقد فيها قدرته أو عقله أو توازنه. قال الله تعالى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ قد يكون الإنسان عالمًا، واسع المعرفة، قوي الحجة، ثم إذا تقدّم به العمر أصابه النسيان أو الزهايمر، فلم يبق معه شيء مما جمعه.

وقد رأينا نماذج لأناس كانوا من كبار أهل العلم أو الفكر، ثم أصابهم المرض في آخر العمر حتى نسوا أنفسهم أو نسوا علمهم. فماذا تنتظر؟ هل تنتظر حتى تصل إلى مرحلة لا تقدر فيها على القراءة، ولا على الفهم، ولا على العمل؟

خامسًا: موتًا مُجهزًا

ثم يقول: «أو موتًا مُجهزًا». أي موتًا ينهي الأمر كله. حين يأتي الموت، تنتهي الفرصة. لا يعود هناك وقت للمبادرة ولا للتعويض. والعمر يمر بسرعة عجيبة. رمضان الذي مضى كأنه كان بالأمس، ورمضان القادم يأتي بعد قليل. السنوات تتسرب من بين أيدينا من غير أن نشعر. الإنسان أيام. إذا ذهب يومه ذهب بعضه، وإذا ذهب البعض أوشك أن يذهب الكل.

تتخيل نفسك شابًا، ثم فجأة تجد نفسك كبرت. تتخيل أنك ما زلت في بداية الطريق، ثم تجد حولك أبناء وأحفادًا، وتقول: متى حدث هذا كله؟ والعجيب أن المباني من حولنا تذكرنا بذلك. كل مبنى قديم حولنا كانت فيه أسر، وأفراح، وبدايات زواج، وأحلام، وأطفال، ثم مضى أصحابها. بقي المبنى، وذهبوا هم. بل إن الأرض التي نمشي عليها قد تكون تحتها أجساد أجيال سابقة. قبور الفقراء والعامة لا تبقى محفوظة كقبور الملوك، بل تصير أجسادهم ترابًا في الأرض. نحن نمشي على أرض امتزجت بأجساد بشر عاشوا وضحكوا وحزنوا وأحبوا، ثم صاروا ترابًا.

يقول أبو العلاء المعري:

صَاحِ هَذِهْ قُبُورُنَا تَمْلَأُ الرُّحْـ *** بَ فَأَيْنَ الْقُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟
خَفِّفِ الْوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الْـ *** أَرْضِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَادِ
وَقَبِيحٌ بِنَا وَإِنْ قَدُمَ الْعَهْـ *** ـدُ هَوَانُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ
سِرْ إِنِ اسْطَعْتَ فِي الْهَوَاءِ رُوَيْدًا *** لَا اخْتِيَالًا عَلَى رُفَاتِ الْعِبَادِ
رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا *** ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الْأَضْدَادِ
وَدَفِينٍ عَلَى بَقَايَا دَفِينٍ *** فِي طَوِيلِ الْأَزْمَانِ وَالْآبَادِ

فامشِ على الأرض برفق. لا تمشِ مختالًا. أنت تمشي على تراب كان يومًا أجسادًا، وبعد قليل يصير جسدك أنت ترابًا يمشي عليه غيرك.

جسدك نفسه من تراب: بوتاسيوم، مغنيسيوم، كالسيوم، حديد، وعناصر أخرى. وأنت تأكل نباتًا خرج من الأرض، وتأكل لحم حيوان تغذى من الأرض. ثم إذا مت، عاد جسدك إلى الأرض، وتغذت منه نباتات أخرى. هذه الحقيقة ليست مرعبة في ذاتها، لكنها موقظة. أنت لست منفصلًا عن هذا الكون. أنت جزء منه. تأكل منه، ويأكل منك، وتدور الدورة بأمر الله.

ولذلك حين تأكل تقول: بسم الله. كأنك تقول: يا رب، أنا لا أملك حق التصرف المطلق في هذا المخلوق إلا بإذنك. هذه الثمرة، وهذا الحيوان، وهذا الطعام، كله من خلق الله، وقد أذن الله لك أن تنتفع به. والتمييز الحقيقي في الإنسان ليس في جسده وحده؛ فالثور أقوى منه، والفيل أضخم، والأسد أشد بأسًا. بل التمييز الحقيقي في النفخة الإلهية، في الروح، في التكليف، في المعنى الذي جعله الله في الإنسان.

قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾

سادسًا: فتنة الدجال

ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أو الدجال، فشر غائب يُنتظر». ما فتنة الدجال؟ من أعظم معانيها: قلب الحقائق. يرى الناس الحق باطلًا، والباطل حقًا. يرى الناس الجنة نارًا، والنار جنة. تختلط المعايير. يصبح الصديق عدوًا، والعدو صديقًا. يفقد الإنسان القدرة على التمييز. وهذه من أخطر الفتن؛ لأن الإنسان إذا فقد المعيار، لم يعد يعرف كيف يحكم على الأشياء.

ولذلك كانت سورة الكهف وقاية من فتنة الدجال؛ لأنها سورة المعايير. فيها فتنة الدين في قصة أصحاب الكهف، وفتنة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم في قصة موسى والخضر، وفتنة الملك في قصة ذي القرنين. سورة الكهف تعلمك كيف تنجو حين تختلط المعايير.

سابعًا: الساعة

ثم يقول: «أو الساعة، فالساعة أدهى وأمرّ». والساعة قريبة، وإن طال الزمن في حسابنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار بالسبابة والوسطى. وقد عاش نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم، ومع ذلك لما سئل في آخر عمره عن الدنيا، قال كأنه وجدها كدار لها بابان: دخل من أحدهما وخرج من الآخر. فما بالك بأعمارنا التي بين الستين والسبعين؟ هي قصيرة جدًا، ومع ذلك نضيع منها ما نضيع.

وقد ورد في الأثر أن نوحًا عليه السلام مرّ بامرأة عجوز تبكي على ولدها، فسألها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي ولدي الذي مات. قال: كم كان عمره؟ قالت: ثلاثمائة وخمسون عامًا. فتبسم نوح عليه السلام، فقالت: مم تضحك؟ قال: كيف تبكين إذا جاءت أمة في آخر الزمان أعمارهم بين الستين والسبعين؟ فقالت: والله لو كنت من هذه الأمة لقضيت عمري كله في سجدة واحدة لله. المقصود من الأثر واضح: نحن نستكثر أعمارنا، وهي في الحقيقة قصيرة جدًا.

لماذا نتعلم؟

بعد هذا الحديث الطويل عن المبادرة، نعود إلى السؤال الأساسي: لماذا نتعلم؟

لماذا نذهب إلى الكليات؟ لماذا نذاكر؟ لماذا نتعب؟ لماذا نأخذ دروسًا؟ لماذا نضيع من وقتنا وصحتنا وأعصابنا في التعليم؟

حين يُسأل الناس هذا السؤال، تأتي إجابات كثيرة:

  • نتعلم لكي نحصل على شهادة.
  • نتعلم لكي نعمل.
  • نتعلم لأن ماما وبابا يريدان ذلك.
  • نتعلم لكي نكون نافعين للمجتمع.
  • نتعلم لكي نعرف مراد الله منا.
  • نتعلم لكي نعمر الأرض.
  • نتعلم لأننا نحب المعرفة.
  • نتعلم لأن العلم يفتح لنا آفاقًا جديدة.
  • نتعلم لأن الإنسان يشعر بقيمته حين يعمل عقله.

كل هذه الإجابات فيها قدر من الصدق، لكن ينبغي أن نكون صرحاء مع أنفسنا. كثير منا لا يذهب إلى الكلية وهو يستحضر كل يوم أنه يريد إعمار الأرض أو معرفة مراد الله. كثير منا يذهب لأنه اعتاد الذهاب، أو لأنه يريد أن ينجح، أو لأنه يريد أن يخلص من مرحلة معينة، أو لأن المجتمع والأسرة ينتظران منه ذلك.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل هذا يكفي؟

الإنسان كائن غائي

الإنسان كائن غائي؛ أي يبحث عن الغاية والمعنى. إذا فقد الإنسان معنى ما يفعله، فقد مبرر الاستمرار فيه. الذي يجعلنا نكمل هو أننا نجد إجابة عن سؤال: لماذا؟ لماذا آكل؟ لماذا أشرب؟ لماذا أتعلم؟ لماذا أعمل؟ لماذا أتزوج؟ لماذا أكتب؟ لماذا أعيش؟

حين لا نجد إجابة، تتحول الحياة إلى حركة آلية. نفعل الأشياء لأن الناس يفعلونها، لا لأننا اخترناها وفهمنا معناها. ولذلك لا يصح أن يظل الإنسان أسيرًا للعادة الاجتماعية وحدها. لا يصح أن تكون الجامعة مجرد طريق إجباري لأن الناس كلهم دخلوا الجامعة. ولا يصح أن تكون الشهادة مجرد ورقة نأخذها لكي نُرضي الناس، أو لكي يقال عنا إننا “متعلمين”.

التعليم والشهادة

من أكبر مشكلاتنا أننا اختزلنا التعليم في الشهادة. صار السؤال: معك شهادة أم لا؟ لا: ماذا تعرف؟ ماذا تفهم؟ ماذا تستطيع أن تفعل؟ ماذا أضاف العلم إلى عقلك وروحك وخلقك؟ وقد يحمل الإنسان شهادة جامعية، ومع ذلك لا يكون مثقفًا ولا متعلمًا بالمعنى الحقيقي. وقد تجد رجلًا لم يدخل الجامعة، لكنه واسع العقل، قوي الخبرة، يعرف كيف يتعامل مع الناس، وكيف يتخذ القرار، وكيف يدير حياته.

الشهادة قد تكون مطلوبة مهنيًا واجتماعيًا، ولا ننكر أهميتها في عالم الوظائف، لكنها ليست هي العلم. وقد رأيت إعلانًا عن فرصة عمل تشترط مؤهلًا عاليًا، فإذا بها وظيفة نظافة أو تموين في محطة بنزين. فما معنى أن يحتاج الإنسان إلى شهادة جامعية ليؤدي عملًا يمكن تعلّمه بتدريب قصير؟ هذا يكشف أن الشهادة عندنا صارت أحيانًا مجرد علامة اجتماعية، لا دليلًا حقيقيًا على العلم.

التعليم ليس تلقينًا

التعليم الحقيقي ليس أن تحفظ إجابات جاهزة، ثم تدخل الامتحان فتفرغها في الورقة، ثم تنساها. نحن نتعلم في المدرسة سنوات طويلة. لو حسبنا عدد الكتب التي درسناها من الابتدائي إلى الثانوية، لوجدنا أننا درسنا عشرات، وربما أكثر من مئة كتاب. ومع ذلك، لو أخرجنا كتاب جغرافيا من الصف الثالث الإعدادي أو تاريخ من الصف الأول الإعدادي، وسألنا أنفسنا: ماذا بقي في عقولنا؟ سنجد أن القليل جدًا قد بقي.

فهل هذا تعليم؟ أم تدريب على اجتياز الامتحان؟ التعليم الحقيقي يبدأ بالسؤال، لا بالإجابة. لا يجد الإجابة إلا من أقلقه السؤال. وإذا أعطيت الإنسان إجابة عن سؤال لم يسأله، فغالبًا لن يحتفظ بها. أما إذا أثرت في داخله السؤال، وجعلته يتعب بحثًا عن الجواب، ثم أعطيته الأدوات والمناهج التي توصله إلى الإجابة، فهنا يبدأ التعليم الحقيقي.

لماذا يتعلم الإنسان؟

السبب الأول: لأنه إنسان

البشر يتعلمون لأن الله خلق فيهم غريزة حب المعرفة. الطفل الصغير يولد لا يعلم شيئًا، ثم يبدأ في الاستكشاف: يلمس الأشياء، يكسرها، يضعها قرب أذنه، يفتحها، يخفيها، يبحث عنها. الطفل في اليوم الواحد يسأل أسئلة كثيرة جدًا. ودور المربي ليس أن يخنق هذه الأسئلة، ولا أن يلقّنه الإجابات فقط، بل أن يحفزه على مزيد من السؤال، وأن يرشده إلى طريقة البحث. الفيلسوف، في جوهره، هو طفل حافظ على قدرته على الدهشة. يرى شيئًا عاديًا، فيسأل: لماذا؟ كيف؟ ما معناه؟ ما علاقته بما حوله؟

الإنسان العادي يرى البحر فيقول: بحر. أما المتعلم أو المتأمل فيسأل: لماذا الموج؟ لماذا المد والجزر؟ لماذا الماء مالح؟ كيف تعيش الكائنات في البحر؟ ما علاقة البحر بالمناخ؟ وهكذا. فالتعلم أولًا ليس ترفًا، بل هو جزء من إنسانيتك. كما أن الجسد يحتاج إلى الطعام، فالعقل يحتاج إلى السؤال والمعرفة. إذا لم تأكل مات جسدك، وإذا توقفت عن السؤال مات عقلك.

السؤال أصل العلم

السؤال هو أصل العلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال».

حين تجهل، اسأل. لا تخجل من السؤال. ولا تسخر من الأسئلة التي تبدو ساذجة؛ فكثير من العلوم بدأت بسؤال بسيط جدًا. قد يسأل طفل: هل الشجر يمرض مثلنا؟ فيبدو السؤال غريبًا، لكنه يفتح بابًا كاملًا: أمراض النبات، العلاقة بين الإنسان والنبات، انتقال العدوى، حياة الأشجار، بيئة الكائنات.

وقد يسأل آخر: لماذا يغرّد العصفور؟ لماذا يبني عشه بهذا الشكل؟ هل للشجر لغة؟ هل للجمادات نوع من الشهادة أو الذاكرة؟ هذه الأسئلة قد تبدو عند الناس ساذجة، لكنها عند صاحب العقل المتأمل أبواب معرفة. كلما كبر الإنسان، قلت أسئلته. وكثرة الإجابات الجاهزة تطفئ روح السؤال. لذلك حافظ على الطفل الذي بداخلك، على دهشة السؤال.

السبب الثاني: لأن التعلم يجعل حياتنا أفضل

السبب الثاني الذي يتعلم الإنسان من أجله هو تحسين الحياة. نتعلم لكي نطور وسائل المواصلات، والاتصال، والطب، والزراعة، والصناعة، والهندسة، والإدارة، وكل ما يجعل حياة الناس أيسر وأعدل وأكثر رحمة. كان الإنسان يسافر مسافات طويلة على قدميه، ثم روّض الخيل والجمال، ثم اخترع العجلة، ثم السيارة، ثم القطار، ثم الطائرة. والآن صارت البشرية تفكر في وسائل نقل أسرع بكثير. كنت في اليابان وركبت قطارًا يسير بسرعة هائلة، ومع ذلك تشعر وأنت بداخله كأنك جالس في مكان ثابت. هذه ثمرة علم، وثمرة تراكم معرفة، وثمرة سؤال مستمر: كيف نجعل الحياة أكثر كفاءة؟

فالتعلم، من هذه الجهة، ضرورة بشرية، لا دينية فقط. البشر كلهم يتعلمون لأنهم يريدون حياة أفضل.

المسلم يتعلم للأسباب الإنسانية ولأسباب إضافية

المسلم يتعلم لنفس الأسباب التي يتعلم لها البشر: لأنه إنسان يحب المعرفة، ولأنه يريد تحسين الحياة. لكنه يضيف إلى ذلك أسبابًا أخرى: أنه يتعلم طلبًا لمراد الله، وتعبدًا لله، وخدمة للخلق، وقيامًا بالخلافة في الأرض، وإصلاحًا للنفس والمجتمع. لكن لا ينبغي أن نبدأ من الشعارات الكبيرة ونترك المعنى الإنساني الأول. لا تكون مسلمًا صالحًا إلا إذا كنت إنسانًا يقظًا، يفكر، ويسأل، ويعرف قيمة ما يفعل.

حرية الاختيار ومسؤولية الإنسان

لا يمكن أن يكون الإنسان مسؤولًا إلا إذا كان له قدر من الاختيار. فإذا سُلب الإنسان حقه في الاختيار، سُلب معنى التكليف. ولذلك من أهم أسباب التعلم أن نعرف كيف نختار. الطفل لا يختار لأنه لا يعرف. كلما زاد علم الإنسان، زادت قدرته على الاختيار، وزادت مسؤوليته.

قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ هذه أدوات المعرفة: السمع، والبصر، والفؤاد. بها يتعلم الإنسان، وبها يختار، وبها يتحمل مسؤوليته.

الفرق بين التعليم والتأهيل المهني

ينبغي أن نفرق بين العلم والتأهيل المهني. أن تتعلم مهارة لتؤدي وظيفة معينة فهذا مهم، لكنه ليس هو العلم كله. قد تتعلم كيف تستخدم برنامجًا، أو كيف تؤدي مهمة مهنية، أو كيف تنظم قاعة، أو كيف تكتب تقريرًا. هذا نوع من التعلم، لكنه تعلم مهاري.

أما العلم الأوسع فهو ما يغيّر طريقة تفكيرك، ويوقظ أسئلتك، ويوسّع رؤيتك للإنسان والعالم والله والحياة. وليست كل الذكاءات واحدة. هناك ذكاء رياضي، وذكاء لغوي، وذكاء حركي، وذكاء عاطفي، وذكاء موسيقي، وذكاء اجتماعي. المشكلة أن نظام التعليم يريد أن يدخل الناس كلهم في قالب واحد، ثم يخرجهم بشكل واحد، مع أن الناس مختلفون في قدراتهم وطرق تعلمهم.

دائرة التأثير

من أخطر المشكلات أن يترك الإنسان دائرة تأثيره الصغيرة، وينشغل بالتنظير الكبير الذي لا يملك له أدوات. يجلس الإنسان على المقهى ويقول: يجب على الدولة أن تفعل كذا، وعلى المحافظ أن يفعل كذا، وعلى الأمة أن تفعل كذا. ثم إذا نظرت في حياته الخاصة، وجدته مضيعًا لما يقدر عليه فعلًا: غرفته، بيته، علاقته بأمه وأبيه، دراسته، صلاته، عمله، أخلاقه.

ليس معنى هذا أن لا نهتم بالشأن العام، لكن البداية من دائرة التأثير الحقيقية. قال النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى جامع: (ابدأ بنفسك ومن تعول.) وانظر إلى ما تقدر عليه. هل عملت بما في وسعك؟ هل أصلحت ما يمكنك إصلاحه؟ هل قمت بما عليك في حدودك؟ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

أنت عالم صغير

قال الإمام علي رضي الله عنه:

دواؤك فيك وما تشعر
وداؤك منك وما تبصر
وتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر

أنت لست شيئًا صغيرًا كما تتخيل. فيك عالم كامل. وإذا أصلحت نفسك بصدق، فقد غيرت شيئًا من العالم؛ لأن العالم ليس شيئًا منفصلًا عنك. لا تسأل أولًا: لماذا لا يتغير العالم؟ اسأل: ماذا أفعل أنا في غرفتي؟ في بيتي؟ مع أمي؟ مع أبي؟ مع إخوتي؟ في دراستي؟ في عملي؟ في أخلاقي؟ إذا غيرت نفسك في دائرة تأثيرك، فأنت تشارك في تغيير العالم.

العلم والعمل

العلم لا يقف عند المعرفة النظرية. العلم الحقيقي يقود إلى العمل. قال بعض أهل العلم: من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم. أي أنك إذا أخذت شيئًا من العلم وعملت به، فتح الله لك أبوابًا جديدة من الفهم والعلم. ولذلك لا تنتظر أن تعرف كل شيء حتى تبدأ. اعمل بما تعرف، يتسع لك الطريق.

النية في التعلم والعمل

النية هي الهدف. والإنسان يحتاج أن يجدد نيته قبل العمل، وأثناء العمل، وبعد العمل. قد تبدأ عملًا بنية معينة، ثم أثناء العمل تتنبه إلى نية أخرى صالحة، فتضيفها. لا حرج في ذلك. بل هذا من فقه النية. مثال ذلك: أنت تساعد أمك في البيت لأنك تحبها، ويمكنك أن تضيف: يا رب، أفعل ذلك طلبًا لرضاك، وبرًا بأمي، وإدخالًا للسرور عليها. هنا اجتمعت نية إنسانية ونية تعبدية.

لكن الخطر أن يكون العمل لغير الله تمامًا، فإذا لم يرض الناس تركته، أو إذا لم يمدحوك كرهته. هنا يظهر أنك لم تكن تعمل لله أصلًا. فاجعل العمل لله، ولا بأس أن تحب أن يرضى الناس عنك في الخير، بشرط أن يظل رضا الله هو الأصل.

خاتمة

في الختام، نوضح أن هذا المقال ما هو إلا الخطوة الأولى من خطوات الدخول الى العلم والتعلم، يرجى الإطلاع الى باقي مقالتنا المجمعة، فيها من الخطوات المزيد من توضيح ماذا التعلم؟ وماذا بعد أن نتعلم؟ وماذا بعد التعلم؟

——

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا.

سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

المراجع

تمت تجميع أفكار وتفريغها من محاضرة: جولة العلم وسننه لأنس سلطان في شتاء 2019

رابط المحاضرة عبر منصة اليوتيوب