هل يمكن أن يكون العنف، مهما بلغت درجته من القسوة وسفك الدماء، مفهومًا من بعض جوانبه؟ أم أنه في الغالب لا يعود إلا إلى شهوة الإنسان في بسط القوة والسيطرة، والتمتع بإيذاء الآخرين لأجل التسلية؟ للإجابة عن هذا السؤال، سنحاول تتبع شخصية كانكي، أو Kan Ki، إحدى الشخصيات البارزة في أنمي ومانجا Kingdom، وهو من أشهر الأعمال في التصنيف العسكري التاريخي. وسنركز في هذا المقال على تتبع أبرز أفكاره وملامح شخصيته، مع محاولة ربطها ببعض الأفكار من واقعنا المعاصر.

قبل البداية، هذا المقال موجه في المقام الأول إلى من يعرف الشخصية ويتابع العمل، غير أن ذلك لا يمنع أن يستفيد منه غير القارئ، إذ سأحاول سردًا موجزًا لأبرز المحطات في حياة كانكي. ومع ذلك، فمن رأى ليس كمن سمع؛ فالأول أدق تصورًا وفهمًا، أما الثاني فقد يدرك بعض المعنى دون أن يحيط به كله.

كما أن المقال يتضمن حرقًا لأحداث مهمة لمن لم يتابع العمل بعد، وقد يكون هذا مزعجًا لمن يرغب في خوض التجربة كاملة. لذلك لا أنصح بقراءته إلا بعد متابعة العمل أو عدم الممانعة من معرفة أحداثه.

الموجز القصصي لحياة كانكي

الفصل الأول: الماضي المجهول والبداية الأولى

لا يُعلم على وجه الدقة من أي مدينة أو قرية وُلد كانكي، ولا يُعرف شيء واضح عن والديه. وهذا أمر مألوف في المانجا عمومًا؛ فكثير من الشخصيات تُترك ماضيها غامضًا، مع اختلاف مواقفها وأفكارها، ليبقى حولها قدر من التساؤل والرهبة.

لم يُكشف ماضي كانكي إلا في مرحلة متأخرة من العمل، وكان ذلك من خلال رواية من عاصرته منذ صغره، وتحديدًا من قبيلة نشأ معها لاحقًا.

حين كان كانكي طفلًا في الثالثة عشرة تقريبًا، كان متشردًا لا مأوى له. التحق بجماعة من الأطفال القريبين من عمره، من فتيان وفتيات، وكانت تقودهم فتاة تُدعى شيو، وهي أكبرهم سنًا. كانت شيو مسؤولة عنهم، تدبر شؤونهم، وتحاول الحفاظ على حياتهم في أرض جبلية صغيرة وسط الغابات. وقد عُرفت هذه الجماعة لاحقًا باسم جماعة ساكي أو قبيلة ساكي.

كان هؤلاء الأطفال يتعاونون على البقاء، لكنهم كانوا يتعرضون كثيرًا للتنمر والاضطهاد من جماعات أخرى من المشردين البالغين، ممن كانوا أكبر منهم سنًا وأكثر قوة. كانت تلك الجماعات تسلب طعامهم وأمتعتهم، وفي أسوأ الأحوال تأخذ بعض الفتيات بالقوة، مهددة بقتل الجميع إن رفضوا.

في هذا العالم القاسي، وجد أفراد جماعة ساكي كانكي نصف ميت ومهجورًا على طريق جبلي، فعالجوه وعرضوا عليه الانضمام إليهم. كان مثلهم: مشردًا بلا منزل، لا يملك شيئًا إلا نفسه. وبعد انضمامه إليهم، اكتشفوا أنه قوي وذكي، وقادر على حمايتهم من الجماعات الأخرى.

منذ ذلك الحين أصبحت للجماعة مخالب تدافع بها عن نفسها. كان كانكي يحميهم إما بقوته أو بخططه وفخاخه، وكان يردد لهم عبارته المشهورة: طالما أنا هنا، فلا داعي للقلق. كل شيء سيكون على ما يرام.

ومع الزمن، تحولت الجماعة إلى ما يشبه الأسرة. روابطهم لم تكن روابط دم، لكنها كانت روابط حماية ونجاة ومعاناة مشتركة. وفي ظل هذه الحياة، وقع كانكي في إعجاب واضح بشيو، التي كان يراها مثالًا للمسؤولية والرعاية، وكأنها أم للجميع؛ تتحمل الألم طوعًا في سبيل حماية الآخرين.

الفصل الثاني: جذور الكراهية للطبقة المحايدة

حدثت مواجهات مبكرة كشفت جانبًا مهمًا من أفكار كانكي، منها مواجهة نحتاج إليها لفهم شخصيته لاحقًا.

بعد انضمامه إلى جماعة ساكي بوقت قصير، جاءت جماعة قوية تابعة لأحد الأثرياء الإقطاعيين في البلدة. ومن خلال سياق تعاملهم المعتاد، فهم كانكي أن هذه الجماعة تأتي بين حين وآخر لتأخذ فتاة من الأطفال إلى سيدهم، فإذا رفضت الجماعة تسليم فتاة، ذبحوا أحد الأطفال أمام أعينهم.

وعلم كانكي أيضًا أن شيو، في كل مرة، كانت تجعل من نفسها الأضحية، فتذهب معهم حتى لا تتعرض فتاة أخرى للأذى. وحين حاول كانكي منعهم هذه المرة، أوقفته شيو، لأنها خشيت أن يُقتل هو أو يُقتل أحد الأطفال إن رفضوا، كما كان يحدث كل مرة. وفي النهاية ذهبت معهم طوعًا. لكن كانكي لم يصمت. قرر أن يتتبعهم خفية، وبخططه وعبقريته تمكن من اقتحام منزل زعيمهم، وقتل كل من اعترض طريقه، حتى وصل إليه وقد وصلت شيو إليه لتوّها.

سيطر كانكي عليه، لكنه لم يقتله مباشرة. هنا ظهر جانبه المظلم. بدأ بتسخين قطعة من الحديد في الموقد حتى احمرت، ثم قرّبها من عين الزعيم تعذيبًا وحرقًا. وفي تلك اللحظة عبّر كانكي عن فكرته الأساسية: أن الحثالة أمثال هذا الرجل يستحقون أشد أنواع العذاب؛ لأنهم يضطهدون المستضعفين ويستغلونهم ويتمتعون بالتسلط عليهم.

لكن الأخطر من ذلك أن كانكي قال إن هناك من يستحقون عذابًا أشد من هؤلاء الطغاة أنفسهم: الطبقة المتوسطة.

كان يرى أن هذه الطبقة هي الأكثر شرًا واشمئزازًا؛ لأنها، بحسب نظرته، سمحت للطغاة بأن ينفردوا بالمستضعفين. رأت ما يحدث، وعرفت تسلط الأقوياء على الأضعف، لكنها بقيت ساكنة؛ خوفًا أو تجاهلًا أو تواطؤًا أو عدم اكتراث. كان كانكي يتساءل: كيف يعلم الناس ما يفعله هذا الرجل بمجموعة من الأطفال، ولا يتحرك أحد لإنقاذهم؟ هل هو الخوف؟ أم التجاهل؟ أم التناسي؟ أم أن الأمر لا يعنيهم أصلًا؟

بالنسبة لكانكي، لا قيمة للأعذار ما دامت لا تقود إلى فعل. ولذلك لم يفرّق كثيرًا بين أسباب تخاذلهم؛ فالنتيجة عنده واحدة: ترك المستضعفين وحدهم في مواجهة الوحشية.

الفصل الثالث: الحادثة الفارقة: اختطاف شيو ومقتلها

في إحدى المرات، وبعد سنوات من انضمامه إليهم، استغلت إحدى الجماعات الحاقدة على كانكي وجماعته غيابه عن المكان، إذ كان قد خرج للسفر وجلب الطعام. فشنوا هجومًا على الأطفال، وقتلوا بعضهم، واختطفوا شيو.

نُقلت شيو إلى قلعة سيد المقاطعة، أو ما يمكن تشبيهه بمحافظ البلدة، وهناك تعرضت لتعذيب وحشي واعتداء شديد حتى الهلاك، ثم بُترت أطرافها الأربعة وعُلقت أمام الناس. كان الغرض من ذلك بث الخوف والرعب، وخاصة في نفس كانكي، وإيصال رسالة مفادها أن تحدي سلطة السيد أو مزاحمته في المنطقة له عواقب مروعة.

كان سيد المقاطعة يريد استفزاز كانكي: إما أن يندفع مهاجمًا القلعة فيُقتل، وإما أن تتحطم روحه ويُذل أمام الجميع.

حين وصلت الأنباء إلى كانكي، وعلم بما فعلوه بجماعته وبشيو التي أحبها، لم يفعل شيئًا في الظاهر. غادر الجماعة واختفى عن الأنظار، ولم يظهر بعد ذلك إلا بعد ثلاث سنوات. عاد كانكي ومعه جماعة جديدة بناها بنفسه، وتمكن معهم من اقتحام القلعة. أسر كل من فيها، ثم قطع رؤوسهم جميعًا بيديه وحده، رغبة منه في الانتقام الكامل، وأن يكون هو بنفسه من ينفذ العقاب.

منذ ذلك الحين عُرف بلقب: كانكي قاطع الرؤوس.

بعد مقتل شيو لاحقًا بتلك الطريقة المروعة، انفجر هذا المقت داخل كانكي. قتل كل من في القصر بلا تردد، ثم صار يمارس أشكالًا من القتل والنهب والاعتداء، لا على الجميع، بل على الطبقتين المتوسطة والعليا تحديدًا. لم يعد يراهما إلا طبقتين لم تسمحا للأدنى منهما أن يعيشوا كما يعيش الناس.

كانت هذه الحادثة نقطة التحول الكبرى في حياته. لم يعد مجرد شخص غاضب من العالم، ولا مجرد إنسان ناقم على الظلم والتهميش الواقع على أمثاله من المستضعفين، بل صار منتقمًا لا يرى أمامه إلا ذبح كل من يراه سببًا في معاناة الضعفاء، أو حتى من يظن أنه قد يكون سببًا لها لاحقًا. بل إن مقتَه بلغ حدًا شديدًا تجاه الطبقة المحايدة من المجتمع.

الفصل الرابع: من قاطع طريق إلى جنرال

بعد ذلك، صار كانكي قائدًا جماعته لقطاع الطرق. كانت جماعته تنهب وتقتل وتعتدي، خاصة على الطبقتين المتوسطة والعليا. ثم استقطبه أحد جنرالات دولة تشين، وضم جماعته إلى قواته، فترك حياة قطع الطرق بمعناها المباشر، لكنه لم يترك طباعه ولا قسوته.

انتقل كانكي من الغابة إلى الميدان العسكري، لكنه حمل معه غضبه وأساليبه. صار يستخدم نفوذه الجديد في نهب المدن التي يدخلها بعد المعارك، وسلب أهلها، وقتل بعضهم، والاعتداء على الطبقات التي كان يمقتها.

كان غضبه، كما وصفه المقربون منه، غضبًا لم يخمد منذ اللحظة التي فقد فيها شيو. مرّت السنوات، لكنه بقي مستعرًا في داخله.

كانت أفعاله وأفعال جماعته موضع استهجان شديد من أطراف كثيرة داخل دولة تشين نفسها؛ فهو لم يعد قاطع طريق منفلتًا، بل صار جزءًا من جيش رسمي، وتصرفاته تُحسب على الدولة أمام الدول الأخرى. ومع ذلك، كثيرًا ما كانت جرائمه تُحجّم أو يُتغاضى عنها بسبب منجزاته العسكرية المبهرة. فقد كان قادرًا على تحقيق الانتصار في أصعب المعارك وأقساها.

ومع مرور الوقت، ترقى كانكي حتى صار واحدًا من الجنرالات الستة في دولة تشين، وهم الذين يحق لهم بدء الحرب دون الرجوع المباشر إلى الملك. وعلى الرغم من قسوته وأفكاره المنحرفة، كان أداة عسكرية شديدة الفاعلية.

الفصل الخامس: مذبحة الأسرى ومعركة تشاو

كان سياق كانكي في التعامل مع المدنيين والأسرى العدو، في بالغ القسوة، يمكن إعتبار أغلبها ضمن جرائم الحرب بالتعريف المعاصر. ولعل من أبرز المعارك التي زاع فيها صيت كانكي معركة كبرى ضد دولة تشاو. كانت الأعداد غير متكافئة؛ إذ قُدّر جيش تشاو بنحو مئتين وخمسين ألفًا، مقابل ثمانين ألفًا تقريبًا في جانب كانكي. كانت معركة قاسية بكل المقاييس، وقُتل أكثر من نصف جيش كانكي.

ومع ذلك، تمكن في النهاية، وبخطة شديدة المكر، من قلب الطاولة وقتل القائد الأعلى في المعركة، مما أدى إلى استسلام أكثر من مئة ألف جندي طواعية، وانسحاب بقية الجيش. ولم يكن جيشه المتبقي حينها يزيد على خمسة وثلاثين ألفًا تقريبًا.

لكن الحدث الأهم هنا ليس الانتصار نفسه، بل ما تلاه.

بعد أسر الجنود وانتهاء المعركة، علم كانكي أن العدو كان قد أسر أحد القادة المقربين منه، وعذّبه عذابًا شديدًا ليجبره على كشف خطط كانكي. وكان ذلك القائد يعرف بالفعل ما كان كانكي ينوي فعله، ولو أنه أفصح عما يعرف، لخسر كانكي المعركة وربما أُبيد جيشه كله. لكنه صمد تحت التعذيب، ورفض البوح، فاشتد عذابه حتى قُطع حيًا، ثم وضعت أشلاؤه في برميل مع دمائه.

حين علم كانكي بذلك، أمر بذبح المئة ألف أسير، متجاهلًا الأعراف العسكرية وقواعد تشين في التعامل مع الأسرى.

كان هذا الفعل صادمًا للجميع. فقد منح كانكي دولة تشين واحدًا من أعظم انتصاراتها العسكرية، لكنه في الوقت نفسه ألحق بها وصمة عار أمام الدول الأخرى. وصل الأمر إلى أن الملك نفسه غادر قصره، وخلفه الجيش الملكي المكلف بحماية البلاد والعاصمة، متجهًا إلى أرض المعركة لمعاقبة كانكي على جرائم الحرب التي ارتكبها. غير أن قيادات أخرى توسطت في النهاية، تجنبًا لإسقاط أداة عسكرية قوية من أدوات الدولة في مشروعها لبسط النفوذ على باقي الدول.

تحليل شخصية كانكي

مما سبق يمكن القول إن كانكي لم يصل إلى هذا المستوى من التوحش والرغبة في السفك من فراغ، بل خرج من معتقد جازم تشكّل في سنواته الأولى، ثم ظل الواقع يعززه مرة بعد أخرى.

لم يكن كانكي مجرد رجل يحب القتل لأجل القتل، وإن كان قد ارتكب من الفظائع ما يجعله مستحقًا للإدانة الصريحة. لكنه، في جذوره الأولى، كان شخصًا يرى أن العالم ظالم، وأن الضعفاء يُتركون وحدهم، وأن الأقوياء لا يرتدعون إلا بالقوة الأشد.

خطيئة الحياد: دافع العنف الأول

كان كانكي يمقت المحايدين عن المضطهدين. كان يرى أنهم تركوا الضعفاء في ظلمات المعاناة والأذى، بينما امتلكوا قدرًا من القدرة أو المعرفة أو الحضور، ثم اختاروا السلامة الشخصية.

في نظره، كان الحياد بيعًا أنانيًا للنفس؛ أن تعلم أن هناك آخرين أقل منك قوة يُسامون سوء العذاب، ثم تختار أن تنفصل عنهم، وتقنع نفسك أنهم ليسوا بشرًا مثلك حتى لا تشعر بالذنب، أو تبرر سلبيتك بالعجز مع أنك لم تحاول.

وقد تكون النوايا مختلفة: بعض الناس يخافون، وبعضهم يتجاهلون، وبعضهم لا يبالون، وبعضهم قد يعاون الظالمين صراحة. لكن النتيجة، في نظر كانكي، واحدة: ترك المضطهدين والمهمشين فريسة للطبقة العليا التي تستفرد بهم بكل أنواع العذاب.

من هنا ولد اقتناع كانكي المتطرف بأن الطبقة الوسطى كلها لا تستحق العيش، لأنها بتخاذلها صارت معينة على الظلم، ولو بالصمت. فهي لم تظلم دائمًا بيدها، لكنها تركت الظلم ينتشر.

في عالم Kingdom، وتحديدًا في حقبة الدول المتحاربة في الصين قبل الميلاد، كان النظام الاجتماعي متمركزًا حول الإمبراطور والحاشية، ومن اقترب من دوائر السلطة والجيش والنبلاء كان أقرب إلى القوة والرفاهية. وكلما ابتعد الإنسان عن هذه الدائرة، صار أضعف وأقل حماية.

أما طبقة المستضعفين والعبيد، فكانت الأكثر ضعفًا وتهميشًا. وكثيرًا ما كانت تعيش خارج المدن أو في أطرافها أو في الجبال، عرضة للحيوانات، والأمراض، والجوع، واستغلال الأقوى. كانت الحياة في ذاتها بائسة، فكيف إذا زاد عليها تسلط الطبقات الأخرى؟

هذا ما لم يحتمله كانكي. لم يفهم كيف يملك رجل من النبلاء أو أصحاب النفوذ القدرة على اختيار النساء ممن حوله، ثم يصر على أخذ فتاة من طبقة مضطهدة كرهًا، مهددًا بقتل إنسان إن لم تُسلّم إليه. ولم يفهم كيف يكون ذلك مرئيًا للناس، ثم لا يتحرك أحد.

لهذا لم يكن انتقام كانكي موجّهًا فقط لمن مارسوا الظلم المباشر، بل امتد إلى كل من ينتمي إلى الطبقات التي رآها شريكة في الجريمة. كان يريد أن يجعلهم يذوقون ما ذاقه المضطهدون. وكأن لسان حاله يقول:

إذا ذاقوا العذاب، لعلهم يفهمون معاناة من تركوهم وحدهم. أو: إذا أُبيد من يصنعون المعاناة أو يسكتون عنها، فلن يبقى من يعذب الضعفاء.

كانت هذه الفكرة، رغم تطرفها وانحرافها، خارجة من مقت عميق للحال التي تسير عليها الأمور، ومن رفض لعالم فقد الرحمة. كان يرى المجتمع الذي يعيش فيه أشبه بالغابة. لكنه لم يسع إلى إصلاح الغابة، بل قرر أن يصبح الوحش الأقوى فيها، منتقمًا من الوحوش الأخرى.

المجتمعات الظالمة تُنبت أفكارًا متطرفة

وهذه الفكرة من أكثر الأفكار مركزية في هذا المقال، وأكثر تأصيلاً وإستطراداً.

مما سبق يمكن استقراء أن هذه السلوكيات لا تخرج غالبًا من مجتمع رحيم فيه قدر من العدل، بل تظهر أكثر في المجتمعات التي يسود فيها الفساد والظلم والبطش. حين يغيب العدل طويلًا، تصبح احتمالية نشوء أفكار انتقامية ومتطرفة أكبر.

ومن اللافت أن أقرب الناس لاحتمال امتلاك هذه الأفكار قد يكونون أحيانًا أكثر الناس حساسية وطيبة ومراعاة للآخرين. فإذا تعرض هذا الإنسان لتجارب مأساوية في واقع يغيب عنه العدل، قد يقترب من أفكار انتقامية تجاه الجميع، معتقدًا أن انتقامه ليس إلا محاولة لإحقاق العدل بيده.

ومع أن سلوكياته لا تحقق عدلًا حقيقيًا، فإنه يرى ألا طريق متاحًا غير ذلك. فيتولد في قلبه تعميم وانتقام بقدر ما رأى من ظلم وضعف وفساد. وكلما كان الظلم متطرفًا، وُلد في الجهة المقابلة رد فعل متطرف. وكأن قانون نيوتن الثالث يصلح هنا، على سبيل التشبيه الاجتماعي: لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه.

وفي واقعنا المعاصر، نجد أن كثيرًا من حالات التفكير المتطرف، أو الجماعات المتطرفة التي تدّعي أحيانًا انتماءً دينيًا والدين منها براء، لم تظهر من فراغ. كثير منها خرج من بيئات تفشى فيها الظلم والفساد، أو من بيئات شهدت هيمنة دول لها سجل طويل من القتل والبطش والنفوذ في بلاد الآخرين. ولذلك لا نستغرب خروج هذه الجماعات مثل جماعة المتطرفة كداعش في العراق وسوريا تحديدًا عما سواهم من الدول، فالاولى دولة خرجت من مظالم وقتل وسفك المدنيين ونهب ثروات إبان الاحتلال الأمريكي، على مرأي الدول المحيطة كافة. أما الأخرى في دولة سفك فيها نظامها حتى قتل الأخضر واليابس من شعبه.

ومع وسائل التواصل الحديثة، صار الإنسان يرى المآسي بعينه. كأنها تحدث أمامه. وتكرار المشاهد المروعة يحفز داخله شعورًا بأن الظلم دائم ومستمر ولا يتوقف. ولعل هذا يفسر جزئيًا أثر التكرار الإعلامي والدعائي في صناعة الكراهية، كما حدث في تضخيم أحداث مثل 11 سبتمبر لإنتاج موجات واسعة من الإسلاموفوبيا، أو كما يحدث في الاتجاه المقابل عند مشاهدة أحداث غزة والعراق، أو تاريخ الاستعمار، أو التعذيب الفرنسي في الجزائر، أو بطش الأنظمة بالشعوب.

كلما زاد هذا التعرض، زادت احتمالية أن يخرج أشخاص شديدو الحساسية بأفكار انتقامية، تعبيرًا عن رفضهم لما يحدث. وقد يظهر ذلك في خروج مسلح غير منضبط، أو في نقمة عامة على كل “المحايدين” الذين لم ينفجروا كما انفجر هو في وجه الظلم، دون قدرة واضحة على التفريق بين الناس، أو تحرّي أفضل الطرق في التعامل.

حينها يصبح لسان حاله قريبًا من كانكي: لولا حيادكم وصمتكم وسلبيتكم ما ظلموا ولا فسدوا؛ فأنتم منهم بمنزلة الشريك.

حين يُغطَّى الانتقام بغطاء ديني

في كثير من الأحيان، تكون هذه السلوكيات المتطرفة انتقامية في أصلها، ولا تستمد حقيقتها من مصدر تشريعي منضبط، حتى لو ادعت ذلك. وقد يقوم صاحبها بتأويل بعض النصوص أو الفهوم الأولية ليبرر لنفسه ولغيره أنه يسير على أرضية دينية، بينما يكون الدافع الحقيقي هو الهوى والغضب والرغبة في الانتقام.

بدل أن يقول: “أريد الانتقام من الجميع لأنهم سببوا الظلم والفساد”، يصوغ الأمر في صورة أنبل وأكثر جذبًا، فيقول مثلًا: هذه المظالم لم تحدث إلا بسبب عدم تطبيق الشريعة، وتطبيقها لا يكون إلا بالطريقة التي نفعلها، ومن ليس معنا فهو منهم، بل قد يُخرج من الملة، وطريقنا هو الطريق الوحيد لإقامة مكان لا يُظلم فيه أحد.

وهذا النوع من الاقتناع أشد خطرًا؛ لأنه يستدرج بسهولة من يحملون المشاعر نفسها من الضعف والمهانة تجاه الواقع القائم. فيُستغل ألمهم، وتُستغل أفكارهم ومآسيهم، وتُقدَّم لهم الجماعة المتطرفة باعتبارها الطريق الوحيد للتغيير.

وكثير من الناس، حين لا يرون طرقًا أخرى مؤثرة في الواقع، قد ينجذبون إلى هذا الطريق؛ لأنه يبدو مباشرًا وحاسمًا. لكن الكلام الحسن في ظاهره قد يفضي إلى ما أفضى إليه غضب كانكي: أن يصير الإنسان مع الزمن شبيهًا بمن كان يقاتلهم.

فكانكي، الذي بدأ ناقمًا على الظلم، صار يمارس ظلمًا واسعًا. لم يعد يفرّق كثيرًا، ولم يعد يقتصر على من مارسوا الجريمة المباشرة، بل اتسع انتقامه حتى طال أناسًا في مدن ودول أخرى، لم يكن لديهم بالضرورة القدر نفسه من الظلم الذي رآه في طفولته. ومع ذلك ظل يتعامل مع الطبقات العليا والوسطى بالطريقة نفسها، ويبسط عليهم أشكالًا من العذاب، حتى صار لا يكاد يُقيَّد إلا بأوامر الملك بالكاد.

علينا أن نوقن أنه مهما كان الحال فاسدًا ومهما كان الظلم كبيرًا، فيجب التحرك والتغيير بقدر المستطاع، والغاية لا تبرر الوسيلة، والأوزار لا يحملها إلا أصحابها. التعميم سمة متطرفة. المحايد ليس بالضرورة متواطئًا. هناك فرق شاسع بين من يتحد مع الظالمين (وهذا قد يدخل تحت “من أعان ظالمًا على ظلمه”)، وبين من يعاونهم في الظلم مباشرة (كالسجان؛ فقد قال أحمد بن حنبل للسجان: “أنت لست من الأعوان، أنت من الظالمين”)، وبين من يبتعد بقدر المستطاع ويقاطع ويتبرأ باطنًا أو ظاهرًا حسب الإمكان. هذا الأخير هو الذي قد ينجو في عصر شيوع الظلم والفساد. وللحديث بقية في مقام غير هذا المقال.

نختم هذه الفكرة أن من المستقرئ تاريخياً أن العدل لا يمكن تحقيقه من دوافع الانتقام والغضب، بل سيتحول الظلم إليك أنت، فتصبح أنت الظالم الجديد.

ويمكن تلخيص هذه الفكرة في أن البيئات التي يضعف فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويغيب فيها العدل، تصبح بيئات خصبة لنمو الأفكار المتطرفة تجاه الجميع، ولو بعد حين.

الصدق الكاشف مع كانكي وحواره مع ريبوكو

نرجع إلى الأحداث المتقدمة من حياة كانكي. كان يعترض على حروب الملك إيسي (ملك تشين) لتوحيد الصين، لأن الخاسر الأكبر فيها هم الشعوب والجنود من الطبقات الدنيا. لكنه مع ذلك كان يشارك فيها ويحقق انتصارات مبهرة. هذا تناقض ظاهري.

لكن الحوار الأشهر الذي كشف أعماقه هو حواره مع الجنرال ريبوكو، وزير دولة تشاو الأول. بعد أن حاصر ريبوكو فصيل كانكي، عرض عليه الاستسلام مع العفو عن فصيله، لكن رجال كانكي رفضوا واختاروا القتال معه حتى النهاية. فتعجب ريبوكو.

ما بين ريبوكو وكانكي:

ريبوكو: هذا الامر يصعب استيعابه، ظننت في البداية إنكم مجرد مجموعة من البرارة المُتلفهة الى العنف والقتل، لكن اتضح لي العكس الان، لقد كنتم قد أقدمتم على مذبجة عظيمة بإعدامكم لمائة ألف إنسان وهذه فعله مجردة من الرحمة لقلوب أشد قسوة من الحجارة، لماذا؟ إن كانت القلوب حاضرة وتربطكم برفاقكم ولا تتخلون عنهم، فبلا أدني شك انكم على إدراك أن هذه القلوب حاضرة وتنبض بجوف سائر البشرمثلكم، فلماذا تتمادون بأفعالكم بالدوس عليها بهذه القسوة؟ أتساءل يا كانكي ألست مدركاً أن ذاتك التي لا تسع شيئاً ولا أن تظهر عطفاً تجاه أحد سوى مقربين منك ومن هم حولك، حجمها لا يناهز مثقال خردلة مما تملكه بعوضة؟

كانكي: لا تزعجني بكلام يتماشى مع أحوالك أنت يا ريبوكو. هل أنت مدرك ما في قلوب هذه الجماعة؟ هل بوسعك إدراك ما في قلوب المضطهدين؟

ريبوكو: كلا، ليس بمقدوري. لكن حتى إن لم أكن قادرًا على فهمهم، ما كنت لأقصيهم دون سبب. أظنني فهمت جذور الغضب بداخلك: السخط على هذا العالم المعيب. لكنك لم تغرق في اليأس، وإلا لكنت فارغًا. لا تزال حمم الغضب تفور بداخلك لأنك تأمل عالمًا مثاليًا لا تشوبه شائبة. هذا يعني أن ذاتك صافية ونقية تسع أكثر من غيرك. لكن هذه الرغبة خيال، والفجوة بينها وبين الواقع هائلة. لو كنت فيلسوفًا لكان لك عذر، لكنك جعلت غضبك العقيم يتملكك، فأفضى بك إلى أفعال همجية آذيت بها غيرك. أنت رغم نقاء قلبك فاسق مارق.

كانكي: ريبوكو… رغم قوتك، أنت لا تتجاوز حدود الشخص “العادي”. حتى لو كنت كفؤًا لهزيمتي، فأنت من الداخل شخص عادي عاجز عن تغيير أي شيء. ملك تشين فاقد العقل أيضًا، وهو يبرز بسبب أمثالك، كما تبرز أنت بسبب أمثال ملك تشين. كل منكم يقاتل الآخر لفرض مبادئه، لكن دماء من هم تحت ألويتكم لن تتوقف عن النزيف. استمروا بمحاربة بعضكم أبد الدهر أيها المعتوهون!

ريبوكو: ما كنا لنقف هنا لو لم يعلن ملك تشين الحرب!

كانكي: أنتم السبب في ميلاد ملك تشين. أنتم فقط تلقون بأبصاركم بعيدًا أكثر من اللازم.

دلالات الحوار:

ريبوكو أدرك أن أفعال كانكي لم تنبع من شر محض، بل من نقاء قلب تحول إلى غضب عقيم. لكنه مع ذلك لم يتردد في تلقيبه بالفاسق المارق. وكانكي بدوره لم يجعل من نفسه ضحية، بل أوضح الخلاف الجوهري: ريبوكو لا يدرك ما في قلوب المضطهدين لأنه نشأ من طبقة متوسطة وارتقى في المناصب الدولة والجيش ولم يعاني بحياته قط ليفهم. أما كانكي فيرى عبثية العالم، وأن أمثال ريبوكو لن يغيروا شيئًا؛ هم النقيض الطبيعي لملك تشين الراغب في التوحيد بالقوة. الحروب ستستمر للأطماع والقناعات الجبرية.

مقارنة مع الفتوحات الإسلامية

أحب الاستطراد هنا في مسألة الحروب والقتال في المجمل بأن الناظر إلى هذه الأحداث وإلى الواقع المعاصر سيرى تشابهًا كبيرًا، وخاصة أن فكرة التوحيد القائمة لدى ملك تشين كانت تاريخيًا ناجحة؛ فقد تم توحيد الدول السبع تحت دولة تشين في عقود، وسميت الدولة الموحدة تشين، ومنها تطورت لاحقًا التسمية إلى China أو الصين، وكذلك العاصمة الحالية بكين، وهي ذات الكلمة تغيرت مع القرون.

ومع ذلك، لم يدم هذا التوحيد طويلًا، إذ انقسمت الدولة بعد موت ملك تشين باثنتي عشرة سنة فقط، وانفك التوحيد، وظهرت عائلة أخرى أخذت بزمام الأمور.

كل هذا يطرح سؤالًا متعلقًا بتاريخنا وواقعنا: كيف تم توحيد الشعوب في الفتوحات الأولى للمسلمين؟ أعني: كيف تم توحيد هذه المساحة الشاسعة من البلاد والعباد داخل نظام واحد بأقل قدر من الدماء، بل دون أي حوكمة قهرية أو قيود من المسلمين على الشعوب؟

خاصة إن نسبة المسلمين في القرون الثلاثة الأولى كانت هي الأقلية في كثير من الأراضي المفتوحة. ومع ذلك لم تظهر مقاومة واسعة أو نزعات حادة لفقدان الهوية كما يدافع ريبوكو ويعبر عنه دفاعاً على بلده تشاو ضد رغبات تشين. فكان يعارض عليه ريبوكو في مسألة التوحيد هو تماهي هوية وثقافة دولته تشاو وشعبها مع دولة أخرى، لتنسى في التاريخ وتصبح تابعة لها. وهذا صحيح، وليس محل هذا المقال التفصيل فيه.

لكن النموذج الإسلامي لم يكن مشابهًا تمامًا في المقدمات، ولذلك اختلفت النتيجة كليًا. فحتى بعد مرور عقود من حكم المسلمين العرب للبلاد المفتوحة، نرى أبناء هذه البلاد يحكمونها وهم تحت ظل الإسلام.

ويمكن إيجاز القول إن الإسلام لم يكن مختصًا بهوية أو دولة أو شعب معين، بل هو شيء من السماء. فالإسلام لم يأمر بحكم أو سيادة عربية أو أمازيغية أو كردية تحت أي لغة من حكم الإسلام بشرط تواجد اللغة العربية لفهم الوحي كما فهمه الأولون فقط؛ لأنه مهما كانت أوصاف الحاكم، فإنه يعبد الله ويخضع لتشريعاته التي تسري على الحاكم والمحكوم على حد سواء، مما يجعل الإسلام عابرًا للقيود الهوية، أو الثقافية، أو العرقية للشعوب.

أفكار مستخرجة من شخصية كانكي

تعقيد الشخصيات وقربها من الواقع

الشخصيات المعقدة في الأعمال الفنية هي الأقرب إلى الواقع البشري، لأن البشر كائنات معقدة. قليل من الناس من هم قريبون من الملائكية أو الشيطانية الخالصة. غالبية البشر هي حالة متداخلة من تنازع النقيضين، كما قال تعالى: “وهديناه النجدين” (البلد: 10). لهذا لاقت شخصية كانكي استحسانًا كبيرًا؛ لأنه من أكثر شخصيات العمل تعقيدًا، حيث صُوِّر طيلة 700 فصل على أنه قاطع طريق سافك للدماء، ثم انكشف أنه شخص نقي خرج من أسفل المجتمع، يقول لكل من في الوسط: “من في الوسط يراقبون ما يُفعل بنا من الذين في الأعلى بصمت”، فنشر لجام غضبه على الجميع دون تفريق.

وكان لسان حال كانكي، أن كانكي كان بإمكان أن يكون أي شخص منا، لو كان وضع ذات الزمان والمكان والأحداث، عدم جهل تماماً بالسياق الديني الحاكم للقيم الشخصية والاجتماعية، لربما كان جزء منا يخشى أن يكون جزء منه متأثراً من المحيط به، لدرجه أن تجعله متأثراً على نحو متطرف وخاصة في عصرنا الحالي المليئة بأشياء تجلب الألم والظلم والانسحاق.

وكما قال كانكي موجهاً لجام غضبه على الطبقة الوسطى في المجتمع التي تمثل الاغلبية في اغلب مجتمعات البشرية عبر العصور: من في الوسط يراقبون ما يُفعل بنا من الذين في الأعلى بصمت. هذا السياق النفسي قاد كانكي إلى استنتاج حتمي: أن الضعفاء لا قيمة لهم، وأن العالم يتحكم فيه الأقوياء، وأن أي معايير أخلاقية أخرى ليست إلا نفاقًا.

لم يكن هذا خيارًا أخلاقيًا بقدر ما كان انعكاسًا طبيعيًا لما تعرض له. ومع ذلك، فإن كونه انعكاسًا مفهومًا لا يجعله صحيحًا، ولا يرفعه عن كونه ظلمًا جديدًا خرج من رحم ظلم قديم.

وهذه من الأفكار أيضا البارزة هنا أن الإنسان كائن مزدوج الهوية، فيه قابلية للشر والخير، وقادر على سلوك الطريقين معًا. فقد يكون قمة في الخير مع أناس، وشرًا محضًا مع غيرهم، وهذا لا ينافي طبيعته البشرية التي جاء الإسلام لتهذيبها وإرشادها إلى الصراط المستقيم. وهذه الفكرة بشرية يدعو اليها الاسلام،

من هذه الأفكار أن الإنسان كائن مزدوج الهوية، فيه قابلية للشر والخير، وقادر على سلوك الطريقين معًا. فقد يكون قمة في الخير مع أناس، وشرًا محضًا مع غيرهم، وهذا لا ينافي طبيعته البشرية التي جاء الإسلام لتهذيبها وإرشادها إلى الصراط المستقيم.

وكما ذُكر في رواية الدكتور جيكل والسيد هايد من الأدب الإنجليزي، التي تدور حول مسألة الثنائية البشرية في النفس، وأن الإنسان لا يمكنه الانفصال عنها: “تعلمت أن أدرك الازدواجية الجذرية والبدائية في الإنسان. لقد كنت كلاهما بشكل جذري.” وفي موضع آخر: “ذلك الطفل الجحيمي لم يكن فيه شيء بشري؛ لم يكن يسكنه سوى الخوف والكراهية.”

فهم الدوافع لا يعني التبرير

تحرير الشخصيات من أعماقها ودوافعها، مهما كانت، سبيل جيد لمحاولة عدم تكرار هذه النماذج في أنفسنا وفي غيرنا ولا نقع كما وقعوا، حتى ولو كانت شخصية خيالية معقدة. فعندما يتم عرض شخصية مثل كانكي، لا نستطيع أن نصفه بأنه شيطان أو متوحش على نحو مطلق، رغم أن أفعاله يمكن أن توصف بهذه الأوصاف، ويلقب بالمارق كما فعل ريبوكو.

لكن بالإنصاف مثل كما فعل ريبوكو، كان كانكي أيضًا شخصًا نقيًا؛ لم يرغب في البداية إلا في أن تعيش من أحبها ومن أحبوه بعيدًا عن الظلم والبؤس القابع، وأن يعيش المضطهدون كافة حياة بلا سحق.

فالدوافع الحقيقية النقية، عندما تنمو في بيئة فاسدة، قد لا تنتج إلا غضبًا لا يتوقف حتى يلقى صاحبه حتفه.

وهنا أتذكر عبارة التي قلتها شيو لكانكي عندما أنقذها من ذلك النبيل الذي ذهبت إليه شاكرة له: كانكي إنك أكثر من سيعاني منا مستقبلاً بسبب طيبتك هذه، ومع ذلك شكراً لك!

الخاتمة

وإجابة على السؤال الذي بدأنا به، يمكن الإجابة: نعم، قد يتحول الاضطهاد الى قمة العنف والعمى، نتيجة تحت سياق الواقع، فالظلم كفيل بنمو مخالب في أكثر الأيدي رقة أو ضعفاً، تؤذي من على شاكلة ظالموها أو الوافقين عليهما.

وهذا يضعنا تحت سؤال جدلي في الأوساط الفكرية: هل الشر يولد أم يصنع؟ والأرجح لما رأيناه هو أن يولد بنا كبذور، والبيئة من تراعاها.

أما الدرس الأعم الذي يتركه لنا هذا التحليل، فهو أن المجتمعات التي ترضى بالظلم وتحتفي بالصمت أمامه، ليست بريئة من وحوشها ونتائجها. وإذا أردنا أن لا ننجب كانكي آخرين، أو متطرفين من واقع مؤلم، فعلينا ألا نترك مستضعفاً بلا نصير، ولا طبقة وسطى تتفرج بينما تلتهم الطبقة العليا من هم أضعف. وإذا أردنا ألا يتحول الغضب النقي إلى قتل أعمى، فعلينا أن نحقق العدل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يخترع المضطهدون طريقهم الخاص، بلا هداية ولا رشاد.

وأختم هذا المقال بحديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور بحديث السفينة:

«مَثَلُ القَائِمِ علَى حُدُودِ اللَّهِ والوَاقِعِ فِيهَا، كمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفِينَةٍ، فأصَابَ بَعْضُهُمْ أعْلَاهَا وبَعْضُهُمْ أسْفَلَهَا، فَكانَ الذي في أسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا علَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقالوا: لو أنَّا خَرَقْنَا خَرْقًا في نَصِيبِنَا ولَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا».

مقتطفات:

ما في الأسفل بعض المشاهد من المانجا، وضعتها لأجل ارتباط الذهن بالعمل الأصلي لمن لم يتابع العمل و وصل لنهاية قراءته.

مع التنويه، بعض المشاهد قد تكون مؤلمة وغير مريحة لدى البعض.