هل فقدت شخصاً عزيزًا على قلبك وحاولت مرارًا وتكررًا استرجاع صورته أو حتى طيفه داخل عقلك ثم تعجز عن فعل ذلك؟ ورغم كونك مبصر هل تشعر وكأنك أعمي وبخاصة عندما يتعلق الأمر برؤية الأحلام خلال نومك..؟
حسنًا لا داعي للقلق أو حتى الهلع.. فأنت لست مصابًا بالعمى بالمعنى الحرفي أنت فقط لا تمتلك “عين العقل” وهي أحد أنواع العمى البصري الذي يحدث داخل الدماغ وتعرف بالـ الأفانتازيا (Aphantasia) أي عدم القدرة على التخيل.
وقد لا تكون من الأشخاص الذين يمتلكون أفضل المخيلات في العالم، ولكن معظمنا قادر على تصور وجه أحد أفراد عائلته، أو تصور شكل مكان اعتاد الذهاب إليه، ولكن بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من الأفانتازيا، فإن الأمر يبدو وكأن عين عقلهم مصابة بالعمى، فهم غير قادرين على إنشاء صورة عقلية لأي شيء.. ما يوجد داخل عقولهم هو الظلام وحسب.
محتويات المقال
الأفانتازيا: حين يغيب الخيال البصري
هي حالة ذهنية تشير إلى عدم قدرة الشخص على تكوين صور ذهنية داخل عقله، وهذا لا ينفي قدرة الشخص على التخيل هو فقط لديه طريقة مختلفة في التخيل عن أغلب البشر، فعندما يُطلب من معظم الناس تخيّل شيء بسيط مثل: شاطئ بحر أو وجه صديق، تظهر لديهم صورة داخلية بدرجات مختلفة من الوضوح. أما المصاب بالأفانتازيا، فلا يرى شيئًا على الإطلاق، بل يعتمد على المعرفة المجردة بدل الصورة. فهو “يعرف” شكل الشيء، لكنه لا يراه في خياله.
بدأ الاهتمام العلمي بهذه الحالة بشكل واضح بعد دراسات العالم “آدم زيمان | Adam Zeman”، الذي وصفها ولفت الانتباه إليها في العصر الحديث. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الأفانتازيا موضوعًا مهمًا في أبحاث الإدراك، خاصة في فهم آلية عمل الخيال والذاكرة داخل الدماغ.
إن كنت مصابًا بالأفانتازيا فما الذي ستراه؟
ما يراه الأشخاص المصابون بالأفانتازيا يصعب فهمه بالوصف، فقد وصفتها إحدى المصابات التي تعاني من هذه الحالة بأن الأمر يشبه تذكر المعلومات: ووصف الأمر بهذه الطريقة: “عندما أفكر في خطيبي لا أرى أي صورة، ولكنني أفكر به بالتأكيد، فعندما أفكر بقصة شعره لا أرى صورة أنظر إليها، بل أتذكر ميزة عنه”. وكذلك عندما يريد المصاب بالأفانتازيا تخيل وجه أحد أفراد أسرته فإنه سيتذكر مميزات عنه لا صورة كاملة ملونة، ومن المفارقة أنه لن يستطيع تخيل عيناه وأنفه سويًا بل كل جزء على حده. ومن المطمئن إن أغلب الخبراء لا يعتبرونها اضطرابًا، بل اختلاف طبيعي في الطريقة التي يعمل بها العقل البشري من شخص لآخر.
كيف أعرف أنني مصابًا بالأفانتازيا؟
لو قلت لك “تخيّل تفاحة” الشخص العادي سيرى صورة للتفاحة في خياله، لكن الشخص المصاب بالأفانتازيا لا يرى أي صورة.. فقط “يعرف” شكل التفاحة دون أن يراها ذهنيًا، حتى لونها الأحمر الجميل فهو كذلك يعجز عن رؤية الألوان.
وهكذا يقودنا لتساؤل آخر.. هل هي مرض؟ ليست مرضًا ولا تصنف كاضطراب خطير. هي مجرد اختلاف في طريقة عمل الدماغ وتختلف من شخص لآخر.
إذًا كيف يشعر الشخص بها؟
للاسف.. لا يستطيع تخيل الوجوه (حتى وجوه المقربين)، ولا يرى “مشاهد” في عقله عند القراءة، فعند وصف الكاتب لمكان ما داخل روايته يعجز المصاب بالأفانتازيا عن تخيل هذه المشاهد. وكذلك في الأحلام هو قد يحلم بالفعل لكن تكون الأحداث عبارة عن كلمات وعبارات وكأن هناك روايًا داخل العقل يروي الحلم في شكل كلمات، ولهذا لا يستطيع الكثيرون معرفة أنهم مصابين بالأفانتازيا إلا بعد التدقيق والتركيز وعمل بعض الإختبارات، كما أن المصاب بالأفانتازيا أحيانًا يجد صعوبة في استرجاع الذكريات بصريًا، وهذا قد يؤدي إلى عمل فجوات داخل الذاكرة وكأنك شخص ينفصل تلقائيًا عن ذاكرته
ومع ذلك فإن المصاب بالأفانتازيا لديه قدرة كبيرة على الفهم والإبداع والتحليل بشكل طبيعي جدًا وقد يفوق العباقرة كذلك، وكثير منهم ناجحين ومبدعين (حتى في مجالات فنية!)
وهناك بعض الخبراء يعرفون الأفانتازيا بأنها ليست حالة واحدة، بل طيف يشمل درجات عدة ومن درجاتها:
- تخيل طبيعي: وفيه تكون الصور واضحة ولكنها غير ملونة.
- تخيل ضعيف: وتظهر الصور باهتة وغير مستقرة.
- أفانتازيا جزئية: يعاني صاحبها من صعوبة كبيرة في تخيل الصور.
- أفانتازيا كاملة: وهي انعدام تام للصور الذهنية فيكون العقل أشبه بالفراغ عند محاولته تخيل صورة ما. وهذا هو المعنى الاصح والأدق لها.
كيف أعرف أني مصاب بالأفانتازيا؟
أصبحت تشعر بالحيرة ولا تستطيع معرفة هل أنت مصاب بالأفانتازيا أم لا؟ أحضر ورقة وقلم وأجب معي على هذا الاختبار لمعرفة إن كنت مصابًا بالأفانتازيا أم لا؟ الإجابات ستكون: واضحة بصريًا، باهتة جدًا، لا توجد صور على الإطلاق.
جاوب على كل نقطة بصراحة، من دون محاولة “تحسين” الإجابة:
- أولًا: تخيّل وجه شخص قريب منكِ.. هل ترى ملامحه بوضوح؟ هل تميز شكله لكن من دون صورة؟ لا تنسى تدوين إجابتك..
- ثانيًا: احضر تفاحة وانظر ليها جيدًا ثم أغلق عينيك وحاول تخيّل شكل التفاحة ولونها وأبعادها:هل تستطيع رؤية لونها ولمعانها؟ هل يمكنك “تدويرها” في خيالك ورؤيتها من جميع الابعاد؟
- ثالثًا: تخيّل مكان مألوف (غرفتك مثلًا): هل بإمكانك رؤية تفاصيل المكان (الأثاث، والألوان)؟ أم هل تعرف الترتيب فقط من دون رؤيته؟
- رابعًا: أثناء قراءة قصة: هل تتكون عندك مشاهد كأنه فيلم سينمائي تدور أحداثه داخل عقلك؟ أم مجرد فهم للأحداث من دون صور؟
- خامسًا: تخيّل صوت أو إحساس: هل يمكنك تخيل صوت شخص معين؟ أو إحساس مثل لمس شيء بارد؟
بعد الانتهاء من إجاباتك قارنها بالنتيجة وستعرف هل أنت مصابًا بالأفانتازيا أم لا.
النتيجة
إذا كانت إجاباتك:
- واضحة بصريًا: خيالك طبيعي أو قوي. وقد تكون هايبر أفانتازيا وهذا نقيض الأفانتازيا.
- باهتة جدًا: خيال ضعيف فقد ترى الصور رمادية او ذات ألوان باهتة.
- لا توجد صور إطلاقًا (فقط معرفة/وصف): احتمال كبير أن تكون مصابًا بالأفانتازيا.
كيف تعمل الأفانتازيا؟
لمعرفة كيف تعمل الأفانتازيا يجب عليك معرفة على ماذا يعتمد التخيل البصري فهو يعتمد على تفاعل عدة مناطق في الدماغ، أهمها: Visual Cortex: مسؤولة عن معالجة الصور. ومناطق الذاكرة والتخطيط: تساعد على استدعاء وربط المعلومات.
ولكن في حالة الأفانتازيا: لا يحدث تفعيل كافٍ لهذه المناطق عند محاولة التخيل، أو قد يكون الاتصال بينها ضعيفًا، ومن ثم تكون النتيجة: غياب الصورة الذهنية رغم الفهم الكامل.
كيف تظهر الأفانتازيا في الحياة اليومية؟
قد تتم ملاحظتها في مواقف عدة مثل:
- عدم القدرة على تخيّل وجوه العائلة والأصدقاء والمقربون.
- صعوبة “رؤية” المشاهد التي يرويها الكاتب عند قراءة رواية.
- تذكّر المعلومات من دون صور أو مشاهد.
- الاعتماد على الوصف اللفظي بدل التخيل وهذا نقطة قوة فستجد أن تذكرك للكلمات والأرقام أقوى بكثير عن غيرك من البشر.
ومع ذلك ستكون قدرتك على الفهم والإدراك طبيعية تمامًا، ولن تتأثر قدرتك على التعلم بتاتًا وهذا قد يُكون لديك طرق أخرى للإبداع فالشخص يكون مبدعًا بطرائق أخرى.
هل تؤثر الأفانتازيا في الذاكرة؟
نعم، لكن بطريق مختلفة فالأشخاص العاديون: يتذكرون بصريًا (مشاهد وصور)
بينما المصابون بالأفانتازيا: يتذكرون على شكل معلومات، أو أحداث من دون صورة، وأحيانًا تكون ذكرياتهم أقل “حيوية” لكنها ليست أضعف بالضرورة.
وعلى الرغم من أن الأفانتازيا قد تبدو نقصًا، فإن لها جوانب إيجابية إذ يمتاز المصابون بها بـ:
- تفكير تحليلي ومنطقي قوي.
- تركيز أعلى على التفاصيل غير البصرية، ومن ثم يمتازون بحدة ودقة الملاحظة.
- تقليل التشتت الناتج عن الخيال الزائد.
- تقليل التشتت الناتج عن الخيال الزائد.
هل هناك علاجًا؟
لا، فهي لا تُعد مرضًا، ولا تحتاج إلى علاج طبي، ولا تؤثر في الذكاء أو النجاح. لكن في بعض الحالات: قد يرغب الشخص في تحسين خياله، ويمكن ذلك عن طريق تدريب الدماغ تدريجيًا عبر التمارين الذهنية.
الخاتمة
الأفانتازيا تذكّرنا أن العقول البشرية تعمل بطرائق مختلفة. فليس كل الناس “يرون” العالم داخل عقولهم بنفس الطريقة. البعض يرى صورًا حية، والبعض الآخر يفكر بالكلمات والمفاهيم. وفي الحالتين، يظل العقل قادرًا على الإبداع والفهم بطرق متنوعة وفريدة. والأفانتازيا لا تعني أنك لا تتخيل تمامًا، بل تعني أنك قد: تتخيل بالكلمات أو المفاهيم بدلًا عن الصور، وقد تعتمد على الإحساس أو المنطق بدل المشهد البصري. فثمة خفايا تثبت التماثل بين الناس في وقت تكون اختلافاتهم كثيرة.
اترك تعليقاً