مفهوم الحرية، تلك الكلمة الذي تشعر الشخص بانه يملك شيء ما، شيء غير محسوس لكنه يحس بوجوده، لها بريق لامع يسعى الجميع الى اقتنائها ويظن الكثيرون أن الحصول على المزيد منها يعني بالضرورة الحصول على السعادة.
ولكن سعى الانسان الدائم لها واللامحدود افقدها قيمتها وحرّف مفهومها، فظن الانسان ان حريته مطلقه وانه يمكنه أن يكون ملك نفسه تماما، وان الحرية الحقيقية هى الانفكاك من كل شيء قد يسبب سلبك لقدرة الخيار او شعورك بأنك لا تملك شيء!
فالفقر قيد تحرر منه عن طريق السعي الدائم للمال والثراء، والعائلة قيد تحرر منه عن طريق القاء الوالدين في دار مسنين ولا تجعل لهم الخيار فيك، والزواج قيد تحرر منه عبر علاقات غير لا يبني عليها أي مسؤولية أي قيود، الدين قيد فتحرر منه ولا يكن لك مقدس او شيء تعبده سوى نفسك وحريتك.
وهكذا صار الانسان -وتحديدا الغربي- في دوامة الحريات المصطنعة الذي من حين لاخر يخترع حقوق لنفسه ويطرحها في موضع الحقوق ومحاولة اجيار باقي البشر في تقبل أن الانسان حريته تسمح في اجهاض الاجنه، او مخالفة الفطرة، او الخروج عن العقل البشري والزواج من حيوانات حتى.
صار مفهوم الحرية الليبرالية هو السائد بهذا العصر، الذي يرى حرية الفرد أهم من أي شيء اخر، أهم من الدين والمجتمع والاهل والاله نفسه، أصبح الانسان يرى ان ما يراه هو فقط،
أما مفهوم الحرية الحقيقي فهو ابعد من هذا كله، فهو شيء سامي جعله الله رغبة في الانسان في فطرته ليكون غاية يوصله اليه، فلا وجود لحرية مطلقة لا وجود لشخص لا يعبد شيء، فالانسان الغربي هذا يعبد نفسه، يرى نفسه الاله الذي يعطي ويحدد له القيم والحقوق ومن يرى هذا حق او ذاك ارهاب وتطرف، فوقع في عبودية الهوى في طريقه الواهم في البحث عن حرية مطلقة.
أما من يعبد الله موحدا حق توحيده، فهو من تحرر من كل شيء، هو من وصل الى أقصى درجات الحرية الممكنة الذي حددها خالقه له، فعندما يعبد الله لن يكون شيء فوق الانسان سوى الله تعالى، سيكون تحرر من قيد الدنيا والانغماس فيها، وقيد الناس في محاولة ارضاءهم، وقيد الملذات في مخالفة رب العباد، لن يعبد سوى الله تعالى ولن يرى امامه سوى محاولة ارضاء الله، فيتحرر من كل شيء اخر.
ولعل افضل مثال استحضره الان هم سحرة فرعون، فايمانهم شيء عجيب حقا، فمنذ لحظات كانوا يتبارون مع موسى عليه السلام وفي عقولهم كيف سينفقون مكافاة فرعون لهم في هزيمة موسى وفي لحظات اخرى يقع في قلوبهم الايمان بعدما رأوا معجزة موسى الذى لا تقارن بسحرهم المخيّل للناس، فيقرون على الفور بايمانهم برب هارون وموسى، فيتوعدهم فرعون بالقتل والقطع والتصليب على جذوع النخل فماذا يكون ردهم بعدما تحرروا؟ بعدما تخلوا عن كل شيء فوقهم ولم يجعلوا سوى الله.
لم تعد الحياة الذي كانوا يعبدونها قبل المبارزة و وعود فرعون لهم لم تعد لهم شيء، معلنين لفرعون عن حريتهمم: افعل ما يحلو لك، ما يمكنك فعله لا يتعدى سوى داخل هذه الحياة الدنيا الفانية أما الحياة العليا الخالدة:
فاعبد الله وهو كفيل بأن يحررك بكل ما سواه، فتكن عبد له وحر عما سواه.
اترك تعليقاً