يكاد يفارقنا.. يكاد يلملم أغراضه ويرحل.
نكاد نستوقفه.. نتعلق به كما الأطفال مع أب دائم الترحال ..يحضر بالفرح والهدايا والشعور بالأمان.. ويرحل خلسة ليجعل العالم أكثر وحشة مما كان من قبل…
نشعر بالدهشة والغضب والحزن في آن..
هل يعقل أن يرحل بهذه السرعة؟
يكاد يهز بكتفيه. ماذا تظنون إذن؟ شهر واحد فقط. أيام معدودات. ”بروفة” لعمركم كله.. عمركم الذي يتسرب من بين أصابعكم كالماء، كل لحظة…
نعم. ماذا كنا نظن..
ها هو يوشك على الرحيل..
ها هو يوشك على المغادرة، وستدور الأرض حول الشمس دورة كاملة قبل أن يأتي مجددا.. وقد يأتي فلا يجدنا..
ربما لا نخاف رحيله حقا، بقدر خوفنا أن لا نكون قد استفدنا منه أقصى ما يمكن..
ربما لا نخاف رحيله حقا، بقدر خوفنا على أنفسنا..
نعم..
الأمر هنا لا يتعلق برمضان، بقدر ما يتعلق بك.. بنا. بي.. بكل منا، نحن الذين نتعلق به وهو يوشك على الرحيل..
لكن لا إِشكال. لا يجب أن نخجل من هذا..
رمضان يأتي أصلا من أجلنا.
رمضان، في النهاية، هو من أجل كل واحد منا..
لكننا، نتلهى عن ذلك، كما عن كل شيء، فنحتفي به، قدوما ورحيلا، وننسى السبب الرئيسي والأساسي لقدومه أصلا..
ننسى أنه جاء من أجلنا.
من أجل أن نكتشف أنفسنا. من أجل أن نكون أقرب إلى أنفسنا كما يجب أن تكون..
من أجل أن نكتشف قوانا “الخفية”.
ليس عبر دورة تدريبية كالموضة أو الصرعة العابرة، بل عبر شعيرة صممت وأنزلت لتجعلك تمر، لمدة شهر كل عام، في أتون مخاض جليل، تعيد به فيه ولادة نفسك بنفسك.. تكتشف كل ما أهمل فيها، كل ما وئد فيها، كل ما أجهض منها سابقا، كل ما قمع وسلسل..
كل سنة، يتركك رمضان بمواجهة نفسك بنفسك، كل الشياطين تصفد وتقيد.. وأنت في الحلبة أمام نفسك ..تصارعها دون أن يكون لها عون من الشياطين..
منفردا أمام نفسك، لشهر كامل.. تكتشف نقاط ضعفك.. وتعيد اكتشاف مصادر قوتك..
تنقب في دواخلك، في مغاراتك، في كهوفك..
في أدراجك السرية ومخابئك..
في كل ما لم تخبر به أحد، عن ذلك الشخص الضعيف الذي هو أنت..
رمضان، يواجهك بكل هذا..
أنت ونفسك..
والأيام، المعدودات، بينكما..
رحيله حتمي.
وقد جاء بمتاع كثير..
لكنك تخشى أن يرحل دون أن تأخذ منه المتاع الأهم: النسخة الأفضل منك.
كل متاعه، سيكون قليلا جدا.. إن لم تحصل منه على هذا بالذات..
على النسخة الأفضل، منك..
